صحافة عبرية

المعركة الاخيرة

معاريف

ألون بن دافيد

18/1/2019

لقد صعدوا إلى المنصة الواحد تلو الاخر، ستة رجال في أفضل سنواتهم، واصطفوا بصف واحد أمام بطارية المصورين. كل واحد منهم تعرض في الماضي لاضواء الكاميرات، ومع ذلك بدا عليهم الانفعال. سنوات طويلة من التجارب المشتركة في الأماكن الأشد قسوة غطت على رواسب الماضي بينهم، وخلقت نوعا من الأخوة الاستثنائية، نجحت في ان تلصق معا كميات الأنا الثقيلة التي اصطفت على المنصة.
عندما ساد الهدوء في القاعة، خطى الملتحي وأكبرهم سنا نصف خطوة إلى الأمام وقال بصوته الاجش: “على هذه المنصة تقف أمامكم أكثر من 300 سنة تجربة امنية وسياسية، بالتراكم. كل واحد ممن يقفون هنا سبق أن اثبت عشرات المرات في حياته جاهزيته للدفاع عن الدوله بجسده. كل واحد منا رأى رفاقه يسقطون إلى جانبه ويعرف جيدا الثمن الذي دفع لضمان وجود هذا الشعب. نحن الذين وقفنا في وجه كل تهديد خارجي للدفاع عن الوطن، نشعر اليوم بان الاساسات الداخلية للوطن توشك على الانهيار، ولهذا اجتمعنا”.
“نحن في حالة طوارئ”، وصل بصوت هادئ المظلي الذي وقف إلى جانبه. “إسرائيل لا تحتاج اليوم إلى اعداء خارجيين، فهي تفكك نفسها بنفسها. في كل مؤسساتنا الرسمية سقط نيزك – في الجيش، في المحاكم، في المجلس التشريعي، في النيابة العامة، في الشرطة. الفساد استشرى في اوساطنا، والنفور لا يتجاوز أي جانب. في البداية كانت هذه هي السلطات المحلية، بعد ذلك وزراء، رئيس ورؤساء وزراء. والآن الجهاز القضائي أيضا: لا قاضي واحدا ولا اثنين فسدا، بل المنظومة التي تعينهم.
“على خلفية هذا الفساد وبمبرر “النقد المشروع”، اعطي إذن صريح للانفلات على كل شيء: رئيس الاركان، المخابرات، الشرطة، القضاة وحتى الرئيس. ليس هناك من مؤسسة محصنة من النقد الهدام. وحتى تعبير “البقرة المقدسة” ذبح. هذا الانفلات، إلى جانب تحريض اجزاء من الشعب ضد اجزاء اخرى، تحطم أسس مجتمعنا. هذا اللهيب يهدد بان يأكل آخر ما تبقى لتستند اليه الديمقراطية الإسرائيلية.
“إذا لم نرجع لان نكون دولة واحدة وشعبا واحدا لن يبقى ما ندافع عنه”، قال الطيار بصوته الخفيض. “من يعرفني يعرف اني لم ابحث عن مهنة سياسية. ولكن هذه الدولة عزيزة علي، والكل من يقف هنا، أكثر من أي وظيفة شخصية ولهذا تجندت انا أيضا. رغم أن بعضا من رفاقي هنا قفزوا ليسبحوا في المستنقع السياسي، فإننا لا نقف هنا كسياسيين محبين لهالة السياسة بل كمن يشعرون بالواجب لان ينهضوا للدفاع مرة اخرى عن الوطن”.
“كل واحد منا شعر بثقل المسؤولية وبالعزلة في لحظات اتخاذ القرارات عن الحياة والموت”، اضاف المظلي الطويل. “يقف هنا رئيس وزراء اسبق. رئيس وزراء اسبق وبالاجمال ستة رؤساء اركان. كل واحد من هؤلاء الاشخاص سبق أن اثبت بانه كفؤ بان يكون زعيما. ولكننا اجتمعنا معا لا كي نعلن عن زعيم جديد بل كي نعرض زعامة اخرى، تضع إسرائيل اولا، قبل كل مصلحة شخصية”.
“كما تعرفون، لم يكن هناك حزب لم يغازلني في السنوات الاخيرة”، قال الجولاني، الذي حتى الآن لم يسمع صوته في الجمهور. “وانا اقول لكم بصدق ان العمل السياسي لا يغريني. ولكني جندي، وعندما دعوني رفاقي إلى العلم – امتثلت. ينبغي للمرء أن يكون اعمى كي لا يرى عملية التآكل التي تمر بالديمقراطية الإسرائيلية. هذا ليس امرا نتميز به نحن وحدنا – ففي العالم منذ الان توجد نماذج للديمقراطيات التي أكلت نفسها.
“لا ينبغي أن نذهب إلى المانيا قبل سبعين سنة. يكفي أن ننظر إلى تركيا، فنزويلا وهنغاريا. سيناريو الديمقراطية التي تتبخر امام عيون المواطنين المندهشة، وبدلا منها تصعد دكتاتورية تحمل على اكتافها جمهور ساذج لا يفهم انه مُستغل – لم يعد من مجال علم الخيال بل ينتمي إلى نوع من الافلام الوثائقية. كما قاتل اربعين سنة في الدفاع عن دولة إسرائيل – فانا ملزم بان انطلق للدفاع عنها اليوم أيضا”.
واصل المظلي ذو العينين الزرقاوين حديثه: “نظرت إلى من خلفي ومن إلى جانبي وفهمت انهم بالذات هنا امامي، عصبة من رؤساء الاركان على اجيالهم. الوحيدون الذين لهم القدرة على ان يلقوا بأنفسهم إلى المعركة الاخيرة، ولكن المعركة الاهم التي يشاركون فيها في اي مرة من المرات. معركة تتطلب شجاعة لا تقل، جسارة لا تقل، تضحية لا تقل، مسؤولية لا تقل بل وربما اكثر من كل هذا.
“في داخل هذه العصبة تجربة هائلة من الفعل الأمني، من ادارة منظومات كبيرة ومركبة، من الصهيونية وطهارة المقاييس. الانقسام سيجعلنا منغلقي الحس، منفردين وعديمي المعنى. اما الارتباط فيمكن له ان يخلق سلسلة ذات قدرة نووية هو وحده يمكنه وحده أن يغير قواعد اللعب التي تتجسد أمام ناظرينا.
“انتم تعرفون جيدا ما الذي تنبأت به لي الاستطلاعات. ولكني لم ادخل السياسية كي ارتب لنفسي وظيفة. لا ينقصني دخل ولا شرف أيضا. وهذا صحيح بالنسبة لنا جميعا هنا. اخترنا معا أن نضع جانبا الموضوع الشخصي وان نضع دولة إسرائيل في المركز. ليس هاما لنا من يكون رقم واحد في القائمة او من رقم 5. ومن أجل تعطيل كل موضوع شخصي وأنا وافقنا على ان نجري قرعة تتم هنا فورا، بالبث الحي والمباشر، تقرر ترتيب القائمة الجديدة. وتشهد هذه القرعة اكثر من اي شيء آخر من أن المهمة هي الاساس وليس منفذيها”.
وأجمل رئيس الوزراء الاسبق: “اعرف انه سيكون هناك من يهزؤون ويلوون شفاههم على الطبيعة العسكرية لهذه المجموعة. بل وربما يسموننا الجنرالات السابقين. ولكني اعرف أيضا بان احدا لن يعلمنا ما هو الامن. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان مرؤوسي. انا مقتنع بان أمن إسرائيل عزيز على قلبه وهو يفعل افضل ما يستطيع كي يحميه. ولكن على الطريق نحن نفقد كل ما هو عزيز لنا في هذه الدولة. والنتيجة ستكون اننا في النهاية سنفقد الأمن أيضا. دولة إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها برئيس وزراء مع لائحة اتهام، يأمر بهجوم في سورية في الوقت الذي يصعد فيه على منصة الشهود للتحقيق المضاد.
“كلنا هنا نشأنا في مدرسة الجيش الإسرائيلي نفسها، والتي تجندنا لها جميعا كمتساوين دون صلة بارائنا ومعتقداتنا الشخصية. بيننا أيضا خلافات، ولكن فوقها زمالة جبلت بالدم، في سنوات القتال في سبيل قيمة أكبر من الانا الشخصية أو من اراء اليمين واليسار”.
“هذا ما نحن فاعلوه الآن: في عصر كل قيمة فيه تهتز وكل مؤسسة فيه تتهالك، نحن نتوجه اليكم، انتم مواطني إسرائيل ونعرض عليكم العودة إلى نقطة البداية، إلى وثيقة الاستقلال. هي الاساس لوجودنا هنا والبنية التحتية التي يمكن ان يقوم عليها مجتمع حر، عادل، متساو، محب للسلام بل وأيضا جاهز للدفاع عن نفسه. ادعو كل من تهمه إسرائيل، أكثر من أي مكانة أو منصب، ان يرتبط بنا ويعيد معنا دولة إسرائيل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock