السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحليل إخباري

المعشر يكتب: الفكر النهضوي الأردني

بقلم العين الدكتور رجائي المعشر

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضي نشأ الحوار حول الفكر النهضوي العربي والفكر النهضوي الاسلامي نتيجة انفتاح بعض الأقطار العربية وبخاصة مصر على الغرب الأوروبي، وكان موضوع حوار الفكر النهضوي الاسلامي والنقاش والكتابة محاولات للاجابة على سؤال يتعلق بما اذا كان الاسلام يستطيع أن يواكب التطور العالمي أسلوباً ومضموناً، ووصل الحوار إلى ظهور فكرة الدولة الاسلامية الحديثة التي تعتمد الشريعة الاسلامية نظاماً للحكم وصولا إلى ظهور تنظيم الدولة وأعمالها المختلفة في السياسة والاقتصاد.
وفي الوقت ذاته كان هناك حوار آخر مضمونه الفكر النهضوي العربي الذي يتركز على بناء الدولة الحديثة على أسس وأطر قومية ووحدوية. وظهرت الآراء حول أهمية الفصل بين الدولة والدين واقامة الدولة على أسس قومية يربط شعبها الجغرافيا والتاريخ والحضارة والدين. وبدأ المفكرون يتحدثون عن الدول الديمقراطية التي يمكن الاقتداء بها من النماذج الأوروبية والأميركية.
وعندما قامت الثورة الروسية لتطرح الأنموذج الاشتراكي كبديل للرأسمالية رأى بعض المفكرين العرب في هذا الأنموذج الاشتراكي بديلاً أفضل من الأنموذج الأوروبي الرأسمالي.
وبينما كان المفكرون يعيشون حالة الفكر النهضوي نظرياً، كانت الثورة العربية الكبرى المحاولة الجادة الأولى التي تسعى إلى ترجمة ركائز هذا الفكر النهضوي العربي الإسلامي بأطره المختلفة على أرض الواقع. فالثورة العربية الكبرى تهدف إلى قيام الدولة العربية الموحدة. وكونها ثورة قومية لا يعني أنها تتعارض مع الاسلام وإلا لما انطلقت من أقدس الأراضي الاسلامية بقيادة حفيد النبي صلّى الله عليه وسلم المغفور له الشريف حسين بن علي.
جاءت الثورة العربية الكبرى اذاً مشتملةً على عناصر الفكر النهضوي العربي والإسلامي في أطرها المختلفة، كما جاء التزام قادتها بهذه المبادئ كاملاً ودقيقاً.
وحمل الهاشميون راية الثورة العربية الكبرى منذ قيامها حتى يومنا هذا، وأخلصوا لمبادئها ورأوا فيها ما يحقق النهضة الشاملة في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
ولأنه وريث الثورة العربية الكبرى فالأردن ملتزم بتحقيق أهدافها في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة. فالإحباط الذي خلفته اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور لا يعني التوقف عن العمل والحركة؛ بل على العكس من ذلك علينا تطبيق هذه المبادئ وتحقيق النهضة ليكون الأردن الأنموذج الذي تستحقة ثورة العرب الكبرى.
من هنا شكلت مبادئ الثورة العربية الكبرى المنبع والأساس للفكر النهضوي وللنهضة الشاملة لكي تنسجم استراتيجيات العمل في كل مناحي الحياة مع مبادئ الثورة العربية الكبرى فالنجاح يقاس بمدى الالتزام بهذه المبادئ وتحقيق الأهداف.
أحاطت مبادئ الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بكل جوانب حياة الامة العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعبرت عن أشواقها في استعادة أمجادها بعد أن غيبت عن هذا الدور لعقود من الهيمنة وتذويب الشخصية والتجهيل. كما أن هذه المبادئ تشكل عناوين شاملة تتدرج في ثناياها كل التفاصيل ويجب أن تنعكس أيضاً على نهج الدولة وسياستها ومواقفها على جميع الاصعدة.
فالحرية كمبدأ وهدف هي كل لا يتجزأ وهي تعني الأفراد كما تعني الشعوب.
أما على الصعيد الداخلي فقد كان الأردن بقيادته الهاشمية مدركا أن نهضة الأردن ورفعته وتطوره إنما تعتمد بالدرجة الاولى على المواطن الانسان الذي يشكل المورد الرئيسي لهذا البلد فجاءت مقولة الحسين رحمه الله “أن الإنسان أغلى ما نملك “الإنسان الاردني المنتج المتفاعل المنتمي لوطنه هو الإنسان الحر والمتحرر من أي قيود والذي ينعم بالحريات التي كفلها له الدستور. ومن هنا أيضا جاءت مقولة الملك عبدالله الثاني “أنه لا فرق بين أردني وآخر إلا بما يقدمه لوطنه” وكذلك كان تعريف جلالته في أوراقه النقاشية والتي أطلق عليها عنوان “المُواطَنة الفاعلة” لدور المواطن.
أما على الصعيد الخارجي فقد كان الإيمان مطلقا بحرية الشعوب وحقها في الاستقلال والسيادة وتقرير المصير وهو المنطلق الذي انبثقت منه مواقف الدولة على الصعيدين العربي والدولي. ومن هنا وقف الاردن الى جانب الشعب العربي الفلسطيني مدافعاً عن حقوقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
اما الوحدة كمرتكز اساسي من مرتكزات الثورة العربية الكبرى والاردن فقد وجد تعبيراته العملية داخل الأردن وخارجه.
على المستوى الوطني كان الأردن منذ نشأته كياناً وحدوياً بحكم الرسالة التي يحملها لأنه وريث الثورة العربية الكبرى من أجل حرية العرب ووحدتهم، فقد تجمع في الأردن ومنذ البداية عدد كبير من رجالات العرب الذين خاضوا معارك الثورة العربية الكبرى ووجدوا فيه الملاذ الآمن والانموذج الوحدوي الذي كانوا يتطلعون اليه قبل ان تجهض سايكس بيكو احلامهم وتطلعاتهم، لا فرق بين اردني وعراقي وسوري وفلسطيني، إذ ساهموا جميعاً في بناء الوطن الذي شكل لهم بارقة الأمل الوحيدة لتحقيق حلم الوحدة العربية.
لقد كان وما يزال النسيج الوحدوي الأردني أبرز ما يميز هذا الوطن وكانت الوحدة الوطنية أهم ثوابت الأردن منذ البداية. لقد آمن الأردن قيادةً وشعباً بأن الوحدة بمفهومها الشامل لن تتحقق إلا إذا تجاوز الإنسان عصبيته وإقليميته التي هي من مخلفات تقسيم الوطن فالأردن وطن لجميع الأردنيين من كافة المنابت والأصول.
اما على الصعيد العربي فقد كان الأردن سباقاً لكل دعوة وحدوية؛ وبالإضافة إلى وحدة الضفتين عام 1950 فقد أقام الاتحاد العربي مع العراق عام 1958 وأيد كل الخطوات الوحدوية التي كانت تتم بين دول عربية مثل مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي. وفي عام 1989 أقام مجلس التعاون العربي مع الاشقاء في مصر والعراق واليمن وساهم في كل الأطر الوحدوية التي انبثقت عن الجامعة العربية مثل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وظل يسعى إلى تعزيز الروابط بين الدول العربية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية من خلال المجالس المشتركة واللجان المتخصصة. ونرى اليوم ترجمة عمليه لهذا المبدأ من خلال بناء اقوى شبكات التعاون بين مصر والأردن والعراق.
أما العدالة الاجتماعية والمساواة فقد وجدت تعبيرها في مفهوم الحياة الأفضل التي تعني تطلعاً مستمراً نحو الرقي والازدهار ورفع مستوى حياة الإنسان وتوفير مستلزمات العيش الكريم وتحسين نوعية الحياة.
لكي يعيش الإنسان الأردني الحياة الأفضل عملت الدولة الأردنية على أن يتمتع هذا الإنسان بكل فرص التعليم ضمن إمكانياتها، والرعاية الصحية والاجتماعية ورفع المستوى الثقافي والتنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة. وتكتمل الصورة عندما تتاح هذه الفرص للجميع دونما تفرقة بين الناس على أسس الانتماء والولاء والمواطنة الصالحة وتكتمل ايضاً عندما يتم توزيع مكاسب التنمية بعدالة على جميع مناطق المملكة.
فركائز العقيدة الوطنية الأردنية التي انبثقت عن الفكر النهضوي الأردني، فرضت على الدولة الاردنية منذ البداية نهجاً واضحاً للحكم ولعمل الدولة. كما أنها فرضت معايير لقياس الإنجاز على أساس مساهمة العمل في الوصول إلى أهداف الدولة في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والمساواة.
تأثر الفكر النهضوي الأردني وبالتالي بعض المفاهيم المتعلقة بالعقيدة الوطنية الأردنية بالمؤثرات التالية:
1 – التيارات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اجتاحت المنطقة مثل الفكر الشيوعي والفكر الاشتراكي والفكر الإسلامي السياسي وغيرها.
2 – عدم قدرة التيارات الفكرية في الأردن على تحقيق الحد الأدنى من الاتفاق وتبعية بعض هذه التيارات الفكرية للخارج.
3 – حالة الحرب التي كانت قائمة مع اسرائيل وما فرضته من أعباء على موارد الأردن.
4- الهجرات السكانية المتوالية نتيجة الحروب في المنطقة.
5 – الانقلابات العسكرية المتلاحقة في بعض دول المنطقة وتكريس مفهوم الدولة القطرية على حساب الدولة القومية.
6 – أحداث أيلول في الأردن عام 1970.
7 – تراجع التيار القومي بعد فشل تجربة الوحدة بين مصر وسورية وأيضاً بعد حرب 1967 واتساع دور الاسلام السياسي وبخاصة بعد الثورة الايرانية 1978.
8- مؤتمر القمة عام 1974 الذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
9 – قرار فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية (المعروف اختصارا بقرار فك الارتباط) عام 1988.
10 – اتفاقيات السلام مع إسرائيل وبخاصة اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي انبثقت عنها السلطة الوطنية الفلسطينية.
11 – الربيع العربي عام 2011 وما نجم عنه من نتائج ايجابية قليلة ونتائج سلبية كثيرة في معظم دول الربيع العربي.
12 – الإصلاحات السياسية التي شهدها الأردن وبخاصة التعديلات الدستورية وإنشاء المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب واللامركزية… ألخ.
انعكست هذه المؤثرات على الفكر النهضوي الأردني عامة وعلى البعد القومي للعقيدة الوطنية الأردنية بشكل خاص. وظهرت بعض الفئات من ابناء الشعب الأردني الواحد غالت في تبنيها للمفاهيم القطرية. ومع ذلك بقيت الدولة الأردنية ملتزمةً بأهداف الثورة العربية الكبرى ومبادئها وقيمها. واستمرت في اعتماد هذه المبادئ والقيم أساساً لنهج الحكم فيها واعتمدتها في سياستها الخارجية والداخلية.
نتيجة لبعض المؤثرات التي ذكرت أعلاه برزت مصطلحات يستخدمها الأردنيون دون الاتفاق على مضمونها. فبعد أحداث أيلول وقرار مؤتمر الرباط باعتماد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، أستخدم الأردنيون مصطلح الوحدة الوطنية بمعنى وحدة مكونات الشعب الأردني، فلا فرق بين أردني وآخر إلّا بمدى ما يقدمه لوطنه. وفي الوقت نفسه فإن مفهوم الوحدة الوطنية يقصد به التفاف جميع مكونات الشعب الأردني حول دستور الدولة الأردنية ونظام الحكم فيها ومبادئها وقيمها.
واستخدمت كلمة جامعة وليست الجامعة في وصف الهوية الأردنية بعد قرار فك الارتباط للتأكيد على أن هذا القرار لا يعني تقسيم الشعب الأردني الواحد بجميع مكوناته إلى أردني أو فلسطيني، فكلمة جامعة جاءت لتؤكد أن الهوية الأردنية تشمل جميع ابناء الوطن الواحد من كافة المنابت والأصول، فهي هوية الأردنيين جميعهم إن كانت أصولهم شرق أردنية أو أصولهم فلسطينية أو أي أصول أخرى عرقية أو دينية.
خلال أحداث الربيع العربي عقدت مجموعة من الشخصيات السياسية، أذكر منهم أصحاب الدولة طاهر المصري وعبد الرؤوف الروابده والمرحوم فايز الطراونة وأصحاب المعالي عبدالإله الخطيب ووجيه عزايزة وأمين محمود و د. أنيس القاسم وكاتب هذه المقالة. وجاء في الرسالة أن الهوية الوطنية الواحدة “هي الأساس الجامع لأبناء الوطن في وحدة غير قابلة للتقسيم”. وهذه الهوية الوطنية (بدون وصف جامع أو غيره) حق مطلق لكل من يحمل الجنسية الوطنية ويترتب مفهوم المواطنة على تلك الهوية الجامعة (بدون لفظ وطنية أو أردنية).
وتؤكد الرسالة في مضمونها على أهمية حماية الهوية الأردنية لجميع الأردنيين من كافة المنابت والأصول، كما تؤكد على أهمية حماية الهوية الفلسطينية على أرضها.
نحن اليوم على أعتاب حقبة اصلاحية جديدة تهدف إلى تطوير الأنموذج الديمقراطي الأردني من خلال مجموعة من التعديلات الدستورية الضرورية لاحتضان مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وما تضمنته من تعديلات جوهرية على قانوني الانتخاب والأحزاب. وهذه التعديلات بمجملها ستقود إلى قيام الحكومات الحزبية البرامجية. وعلينا اليوم العمل بكل ما أوتينا من عزم من أجل نجاح هذه المرحلة في عملية التنمية السياسية. لكن هذا لن يتحقق اذا غرقنا في تفسير المصطلحات وتحميلها أكثر مما تتحمل، فواجبنا يحتم علينا ألا يصبح المصطلح هو موضوع النقاش بدلاً من الاتفاق على أفضل الوسائل لتحقيق الاصلاح المنشود الذي يشكل خطوة مهمة في بناء الأنموذج الديمقراطي الأردني المبني على مبادئ الدولة وقيمها ودستورها. المطلوب في هذه المرحلة أن نتعامل مع مخرجات اللجنة الملكية بكل جدية وأمانة وشفافية وتجرد. فهذه المخرجات في رأيي جاءت منسجمة مع تطور الفكر النهضوي الأردني ومع الأوراق النقاشية لجلالة الملك المعظم ومع مبادئ الدولة وقيمها كما جvسدها الدستور الأردني العتيد.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock