آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

المعشر يكتب لـ”الغد” عن استعادة الثقة

الدكتور رجائي المعشر*

الآن وقد أعلنت أميركا وإسرائيل عن صفقة القرن، والتي جاءت ترجمة دقيقة للموقف الإسرائيلي لمفهوم السلام، المبني على ضم جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنح الفلسطينيين حكماً محلياً في المناطق التي تتواجد فيها كثافة سكانية فلسطينية، مع وجود بؤر استيطانية في هذه المناطق وحولها، يصبح لزاماً علينا- نحن في الأردن، أن نعد أنفسنا للمرحلة المقبلة، على أسس واضحة في مجالات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، كان ثابتاً عبر السنين، وما يزال رافضاً لجميع القرارات الأحادية الصادرة عن الولايات المتحدة أو إسرائيل، هذا الموقف الذي وضعه جلالة الملك من وحي مسؤولياته التاريخية القومية والدينية، وحّد الأردنيين خلف قيادة جلالته بقناعه تامة، فالأردن يسير دوماً على طريق الحق، ولا تغير إغراءات المال أو التهديدات مهما كان مصدرها، موقفه الوطني الثابت.
أما تعزيز الموقف الأردني الموحد، فيتطلب منا جميعا، وضع مصلحة الوطن العليا فوق كل الاعتبارات، والسمو على الخلافات الضيقة والحسابات الشخصية، والامتناع عن التشكيك أو ادعاء احتكار الحقيقة.
مثل هذا الموقف الاستراتيجي، يتطلب حراكاً سياسياً من الحكومة، والأهم من هذا الحراك نتائجه.
ولتتمكن الحكومة من القيام بعملها هذا، علينا ان نترك الأوراق المتاحة للأردن بيد الحكومة، لاستعمالها في الوقت المناسب، فتحقق نتائج إيجابية تدعم الموقف الوطني الأردني الداعم للأشقاء الفلسطينيين.
تتطلب المرحلة المقبلة؛ المصارحة والشفافية. فالحكومة مدعوة لاطلاع المواطن بمجريات الأمور وتطوراتها بدقة، وأثرها على الأردن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وهي مدعوه أيضا، لإعادة بناء الثقة بينها وبين المواطنين، ولن يتم ذلك إلا إذا توضحت العلاقة بين الحكومة والمواطن، بحيث يدرك المواطن حقوقه وواجباته، وتعرف الحكومة مسؤولياتها نحو المواطنين وحقوقهم عليها.
وهذه المقالة تطرح مفهوماً لهذه العلاقة وآلية للوصول إليها.
في كتاب التكليف السامي، وجه جلالة الملك حكومة الدكتور عمر الرزاز إلى ضرورة وضع قانون لضريبة الدخل، “يكون تشريعاً اقتصادياً واجتماعياً، وخطوة ومدخلاً للعبور نحو نهج اقتصادي واجتماعي جديد، جوهره تحقيق النمو والعدالة”.
كما وجه جلالته إلى “ضرورة مراجعة العبء الضريبي بشكل متكامل”، ليعتمد هذا العبء على الضرائب المباشرة، بدلاً من الضرائب غير المباشرة “من أجل تحقيق العدالة والتوازن بين دخل الغني والفقير”، وليرسم شكل العلاقة بين الحكومة والمواطن في “عقد واضح المعالم، من حيث الحقوق والواجبات”.
ومن سياق كتاب التكليف، يتضح أن العقد المقترح معنيٌ بعلاقة الحكومة مع المواطن من حيث الحقوق والواجبات، ومع الحكومة من حيث مسؤولياتها نحو المواطنين.
انطلق الدستور في تحديد حقوق المواطنين وواجباتهم، من رحم مبادئ الدولة الأردنية التي هي مبادئ الثورة العربية الكبرى. والمبادئ ذات العلاقة هنا، هي الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة.
وجاء الفصل الثاني من الدستور، ليحدد حقوق الأردنيين وواجباتهم: فالأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو الجنس أو الدين. وكفل الدستور حق التعليم والعمل ضمن امكانيات الحكومة. كما كفل تكافؤ الفرص والأمن والحرية وحرية الرأي وحرية اقامة الشعائر الدينية وحماية العقائد، وحرية الاجتماع وتنظيم النقابات، وتأسيس المدارس الخاصة وتولي المناصب العامة.
وأوجب على المواطنين دفع الضرائب حسب قدرة المكلف وحاجة الحكومة للمال، للقيام بمهامها بكفاءة واقتدار.
وهذا يعني ان اساس العقد الاجتماعي بمفهوم علاقة الحكومة بالمواطن، هو الربط بين الإيرادات الحكومية وقدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين.
وأجد لزاماً التوضيح، بأن العقد الاجتماعي موضوع هذه المقالة، معنيٌ فقط بالعلاقة بين الحكومة والمواطن، وليس العقد الاجتماعي بمفهوم علاقة المواطن بالدولة الذي يمثله الدستور، فلا يجوز الخلط بينهما.
وأجزم أن من الأساسيات المسببة لما يسود الآن من أجواء عدم الثقة بين الحكومة والمواطن، هو الغموض الذي يكتنف العلاقة بين الجانبين. فتوضيح هذه العلاقة ضرورة، لأنه إذا ما استمرت توقعات المواطنين تفوق قدرة الحكومة، وإذا ما استمرت الحكومة في زيادة توقعاتها حول قدرة المكلفين على دفع الضرائب وتمويل احتياجاتها المالية، ستبقى هوة الثقة بين الحكومة والمواطن كبيرة وفي ازدياد دائم.
يعي المواطن ان مقابل كل حق، هناك واجب تفرضه قيم الدولة ومبادئها وموروثها الأخلاقي:
• حق المساواة، يقابله واجب التعامل مع الآخرين دون تمييز، على أساس من الدين أو الجنس أو العرق أو الموقع الاجتماعي.
• حق المحافظة على كرامة المواطن، يقابله واجب التعامل مع الآخرين باحترام وتفهم وتسامح، ومخاطبتهم بأدب والالتزام بالقانون.
• حق الأمن، يقابله واجب الدفاع عن الوطن والمحافظة على حياة الآخرين وممتلكاتهم، واحترام الأجهزة الأمنية ودعمها عند الحاجة.
• حق التعليم، يقابله واجب الالتزام بالدوام المدرسي واحترام المعلم والمحافظة على البيئة المدرسية، والمساهمة في نشاطاتها.
• حق العمل، يقابله واجب قبول العمل في الفرص المتاحة، والعمل بجدية وإنتاجية عالية والمحافظة على بيئة العمل، والعمل بروح الفريق.
• حق الحرية، يقابله واجب احترام خصوصية الآخرين، ومعرفة أن حدود الحرية تتوقف عند المس بحرياتهم وخصوصياتهم.
• حق التملك، يقابله واجب احترام أملاك الآخرين، وحماية أملاك الدولة وعدم التعدي عليها.
• حق ممارسة الشعائر الدينية، يقابله واجب احترام حق الآخرين بإقامة الشعائر الدينية، واحترام دياناتهم ومعتقداتهم.
• حق العيش في بيئة نظيفة، يقابله حماية البيئة والمحافظة عليها وعلى نظافة البيت والحي والمدينة والقرية والريف والبادية.
• حق الجنسية، يقابله واجب احترام الدستور والدفاع عن الوطن والانتماء له، واحترام القانون والولاء لنظام الحكم فيه.
• حق التعبير عن الرأي، يقابله واجب التعبير عن الرأي بموضوعية، بعيداً عن التعصب أو التطرف، وعدم بث الإشاعات والأخبار الكاذبة والإساءة للآخرين واغتيال الشخصية.
• حق الانتخاب، يقابله واجب المشاركة في الانتخابات والتصويت للمرشح الأقدر على خدمة الوطن.
• حق تولي المناصب العامة، يقابله واجب القيام بالمهام الموكلة بأمانة ونزاهة واقتدار.
وتعي الحكومة أيضا، أن مقابل دفع المواطن للضريبة، يقع على عاتقها واجب تقديم خدمات للمواطنين. منها خدمات سيادية وأخرى إنتاجية اقتصادية، وثالثها خدمات اجتماعية. كما يتوقع المواطن من الحكومة، ان تقوم بإنفاق المال العام المتأتي من جيبه بكفاءة عالية ودون هدر أو تبذير.
ثمة واجبات تقع على عاتق الحكومة كمكون أساس من مكونات الدولة الدستورية، وأهمها: إقامة العلاقات الدولية، الدفاع، الأمن والاستقرار، نشر العدالة، حماية الحريات وتوفير الخدمات التي كفلها الدستور للمواطنين، وتحقيق التنمية المستدامة وتوفير الأمان والتكافل المجتمعي، وخدمات النقل وأمن الطاقة والأمن الغذائي، والتعليم والصحة وإدارة الموارد المالية، والطبيعية والمحافظة على البيئة، وإنشاء مشاريع البنية التحتية.
بناء على هذا، فإن مقدار حاجة الحكومة من المال، تحدده أوجه إنفاق الحكومة على مهامها المختلفة كما يلي: الجزء الأول منه يخصص للأعمال السيادية المتمثلة بالعدل والدفاع والأمن، وحماية حقوق المواطنين وكرامتهم وحرياتهم، وتوفير الأمان الاجتماعي أو المجتمعي. ويكون هذا الإنفاق في معظمه من النفقات الجارية.
والجزء الثاني من الإنفاق، يخصص لإدامة عمل الحكومة وتمكينها من القيام بمهامها المختلفة، ويشكل هذا الإنفاق؛ الرواتب والأجور والتقاعد والصيانة والرقابة على المال العام وغيرها. ويكون أيضا في معظمه، جزءا من النفقات الجارية.
أما الجزء الثالث منه، فيخصص لخدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وهذا ايضاً جزء من الإنفاق الجاري.
والجزء الرابع، يخصص لمظلة الأمان الاجتماعي، ويشمل الدعم النقدي المباشر ودعم السلع والخدمات وصندوق المعونة الوطنية وغيرها. وهذا أيضاً جزء من الإنفاق الجاري.
ويخصص الجزء الخامس للخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين ضمن إمكاناتها، كالخدمات الصحية والتعليم والنقل، وينفق عليها من الإنفاق الجاري والرأسمالي.
والإنفاق من الجزأين الرابع والخامس، هو ما يهم المواطن ويشعر به مباشرة، لما له من علاقة على نوعية حياته ومستوى معيشته، كما أنه يشكل جزءا كبيرا من قناعات المواطنين حول قدرة الحكومة على الإنجاز والعمل، أو عجزها عن القيام بمهامها، أي أن المواطن يعتمد على نوعية الخدمات المقدمة من الحكومة وانتشارها كمؤشر أداء رئيس لعملها.
وهذا لا يعني أنه لا يكترث أو لا يهتم بعمل الحكومة في المجالات الأخرى، إنما يمنح المواطن وزناً أكبر لمؤشر أداء الحكومة في أجزاء الإنفاق الرابع والخامس.
وفي ضوء ما تقدم، يصبح العمل الواجب القيام به في هذه المرحلة، إيجاد معادلة واضحة لما يمكن أن تقدمه الحكومة للمواطنين، وما يمكن أن يحقق الحد الأدنى من توقعات المواطنين فيما يتعلق بالخدمات المقدمة من الحكومة.
وأرى أن يتم ذلك عبر حوار وطني صادق ومسؤول، يبدأ بتوفير المعلومات الدقيقة للمواطنين وبشفافية تامة، ثم الانطلاق بالحوار بالأجندة التالية:
1 – مراجعة نفقات الحكومة الجارية والرأسمالية، وتبويبها على أسس واضحة.
2 – مراجعة الإيرادات الحكومية ومصادرها الضريبية وغير الضريبية، لتحقيق العدالة والتوازن بين المكلفين.
3 – تحديد أولويات إنفاق الحكومة على مهامها المختلفة.
4 – توضيح مفهوم تقديم الحكومة للخدمات “ضمن إمكانياتها”.
5 – تحديد الخدمات التي تستطيع الحكومة تقديمها بدون أجر، ووضع معايير أداء للتأكد من كفاءة الإنفاق.
6 – تحديد الخدمات التي تستطيع الحكومة تقديمها بأجر رمزي، أو بأجر مساوٍ لتكلفة الخدمة، ووضع مؤشرات أداء لكفاءة الإنفاق.
7 – الاتفاق على تحديد من هم المستحقون لتلقي الدعم، والتأكد من أنه يصلهم فعليا دون سواهم، ويحقق مبدأ التكافل الاجتماعي.
وفي الختام؛ لا أدعي أن ما قدمته هنا من رأي، هو دراسة شاملة ووافية لهذه العلاقة بين المواطن والحكومة، لكن ما طرحته قد يكون بدايةً لحوار حول عناصر تمكن من وضع التصور الشامل لهذه العلاقة، ويكون بذلك خطوة مهمة لإعادة الثقة بين المواطن والحكومة، ويساعد على بث روح إيجابيه ومتفائلة بمستقبل الأردن الواعد والقوي.
*نائب رئيس الوزراء السابق

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock