;
أفكار ومواقف

“المعضلة الاجتماعية” الوجه الآخر لمواقع التواصل الاجتماعي

دراسة لافتة قام بها باحثون من جامعتي (نيويورك وغرينبول ألب) والتي خلصت إلى أنّ الأخبار المضللة التي تنشر على شبكة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) تتفوق على الأخبار ذات المصادر الموثوقة بستة أضعاف من حيث اهتمام المتصفحين لها وإعجابهم بها ومشاركتها في صفحاتهم الخاصة.
ما خلصت إليه الدّراسة لا يشكل مفاجئة لكثيرين منّا؛ فنحن نرى الآثار المدمرة لمحتوى منصات التواصل والتي انعكست في المتلقين والمتابعين والمتلهفين للمعلومة خاصة في فترة انتشار الوباء واحتلال جائحة كورونا الصدارة في النشرات والتقارير الإخبارية وعلى منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي تميزت بتربع نظرية المؤامرة على قمة هذه الأخبار وما أذيع حول حقيقة ونشأة الفيروس وإذا ما كان مصنعاً أو موجهاً، ثم نظرية المؤامرة فيما يتعلق بالمطاعيم، والمعلومات المغلوطة التي روجت حولها وأسهمت في تنفير الناس من الإقبال على تلقيها بل والتشكيك في فاعليتها وسلامتها، إضافة لبث معلومات.
لكن ما يميز هذه الدراسة أنها تمكنت من قياس مدى تأثير هذه المعلومات الزائفة والمضللة، وعزّزت حقيقة الاتهامات التي يوجهها النقاد لمنصة (فيسبوك) باعتبارها تكافئ من خلال خوارزمياتها المروجين لهذه الأخبار.
ورغم تشكيك (الفيسبوك) بمصداقية هذه الدراسة إلا أن معظم العارفين ببواطن الأمور وكيف تعمل شركات منصات التواصل الاجتماعي يتفقون على أن هذه المنصات قد ضلت الطريق منذ أن جعلت الربح المادي نصب عينيها وأصبح هدفها الأول، بدلاً من تأدية رسالتها في تعزيز روابط التواصل المعرفي ونقل المعلومة بموضوعية وبث روح الديمقراطية وحرية التعبير.
وهذا ما يكشفه بوضوح الفيلم الوثائقي ( The social Dilemma) ويعني “المعضلة الاجتماعية” وهو فيلم دراما وثائقية أمريكي من اخراج جيف اورلفسكي، ، ويتطرق إلى تسليط الضوء على الجانب الخفي لتوجهات وسائل التواصل الاجتماعي ومحتوى الرسائل التي تبثها لاستغلال متابعيها وتحقيق مكاسب مادية من خلال ما يسمى برأسمالية المراقبة والتنقيب في البيانات العائدة لهؤلاء المتابعين لهذه المنصات، وخلق حالة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي في المجتمعات؛ تحقق منها هذه الشركات مكاسب مادية وسياسية أصبحت من خلالها تتلاعب بعمليات صناعة القرار والسياسات بل والتأثير في الساسة أيضا.
يعرض الفيلم قصة صعود صناعة وسائل التواصل الاجتماعي من خلال أعين صناعها من مديرين ومهندسين سابقين في هذه الشركات والذين أجمعوا على أن هذه الوسائل قد ضلت السبيل الذي أنشأت من أجله.
ويرى هؤلاء الخبراء أن الربح المادي هو المحرك الوحيد لهذه الشركات، وفي سبيل تحقيقه تسعى إلى إبقاء الناس بين جنباتها أطول فترة ممكنة، وهو نوع من تنمية الإدمان والذي يتحقق من خلال طبيعة وكيفية تصميم محتوى رسائل التواصل الاجتماعي التي تلائم توجهات واهتمامات المستخدمين لها. فما يهمها هو الحصول على معلوماتهم وبياناتهم، وقد تفعل كل ما بوسعها للحصول عليها، فما تبيعه هذه الشركات للمعلنين أكثر من مجرد معلومات وإنما تعدهم بتغيير نمط عادات الناس ليخدم مصالح هؤلاء العملاء، وفي سبيل ذلك تعمل على زيادة عدد زيارات الناس لمواقعها وزيادة مدة مكوثهم في تصفح هذه المواقع وهي في سعي دائم إلى خلق حالة من الإدمان النفسي خاصة لدى اليافعين؛ ومن هنا بدأنا نشهد تزايداً واضحا في حالات الاكتئاب، وفي حالات الانتحار لدى هذه الفئة.
وفي سبيل إطالة مدة تصفح المستخدمين لهذه المواقع؛ تعمل على رفدهم بالأخبار والمعلومات التي تتوافق مع أهوائهم وميولهم ووجهات نظرهم بغض النظر عن مدى صحة ودقة هذه الأخبار؛ مما عمق من حالة الانقسام السياسي والاجتماعي وضيق من مساحة الحوار البناء وأصبح الناس يعيشون في عزلة يتواصلون فقط مع من يوافقونهم الرأي والفكر.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock