أفكار ومواقفرأي في حياتنا

المعلمة ربى.. ليست وحدها!

فريهان سطعان الحسن

إعلان شمول المعلمة الراحلة ربى بالضمان الاجتماعي في جميعِ سنوات عملِها، وإن كان خاتمة إيجابية لقصة مأساوية؛ فإنه يفتح الباب لتصويب أوضاع كل من يتعرض لانتهاكات في حقوقه العمالية.

حملة “قم مع المعلم” أعلنت شمول المعلمة رُبى بالضمان مُنذ عام 2018 ولغاية عام 2022، واستحقّ أبناؤها كامل حُقوقهم، حيث دعت جميعَ المعلمات العاملات في القطاع الخاص للإبلاغِ عن الانتهاكات التي يتعرضن لها، خاصة فسخ العقود وعدم الإشراك في الضمان الاجتماعي وتقاضي رواتب ما دون الحد الأدنى للأجور وعدم تحويل الرّواتب للبنك، وإجبارهن على توقيعِ كمبيالات بمبالغَ كبيرة.

ولكن السؤال هنا: هل علينا أن ننتظر حادثة موجعة كتلك التي تعرضت لها ربى، ونشاهد ردود الفعل وحالة الاستياء عبر منصات التواصل، لكي يكون هنالك تدخل حقيقي ومراقبة فاعلة لانتهاكات يتعرض لها العاملون دائما وأبدا؟ أم ستكون “فزعة” مؤقتة ويعود كل شيء لحاله كما كان؟!

تلك الدوامة من المعاناة غير المنتهية؛ فيها الكثير من القهر والوجع لظلم جائر لا يتوقف، ومعضلة قديمة جديدة تتعرض فيها شريحة واسعة لظلم وإجحاف في أبسط الحقوق، والاضطرار للموافقة على شروط قاسية فيها استغلال واضح وصريح فقط من أجل تحصيل أدنى درجات العيش الكريم.

الأمر لا يتوقف فقط على ظلم بالحقوق تتعرض له معلمات من بعض المدارس الخاصة من رواتب متدنية وسوء بالمعاملة، وبالتالي انعدام الشعور بالاستقرار وظيفيا ومعيشيا مع غياب شبكة الحماية والرقابة الحقيقية على مدارس؛ بل ينسحب على كثير من أصحاب العمل ممن يجبرون العاملين بالرضوخ لشروطهم المجحفة بسبب التيقن من حاجة العامل وقبوله بكافة الشروط مهما كانت صعبة، فهم يدركون المخاوف والقلق الذي يشعر به وبأن توجهه للجهات المعنية وتقديم شكوى بمكان عمله سيفقده وظيفته تلقائيا.

في حكاية تشبه آلاف الحكايات، اختبرتها أثناء التسوق في أحد محال بيع الألبسة قبل يومين، شاهدت بعيني حجم الظلم الذي تتعرض له العاملات هناك، فإحداهن ذهبت استراحة لمدة دقائق معدودة لتشرب الماء وتأكل قليلا من الطعام تكسر فيه صيامها بأيام ذي الحجة، وإذ بمديرها يصرخ بأعلى صوته وهو يسأل زميلتها عنها، ويقول لها “أخبريها أن ذلك الوقت وأكثر مخصوم من راتبها”.

قادني الحديث مع إحدى العاملات هناك بعد أن استمعت لصراخ ذلك المدير الجشع؛ بأن أستفسر عن حقوقهن، وإذ بتلك السيدة ترتجف وتبكي بصوت منخفض خوفا من أن يشاهدها ذلك المدير، وقالت لي إنها وزميلاتها جميعا يعانين من الظلم والقهر، حيث يتقاضين راتبا مقداره 230 دينارا – أقل من الحد الأدنى للأجور- مع ساعات عمل تتعدى الـ 9 ساعات يوميا، أما الإجازات فهن محرومات منها، ولهن فقط يومان بالشهر، ويومان آخران يخصمان من رواتبهن.

ليس ذلك فقط، حيث لا ضمان اجتماعيا يضمن حقوقهن، بالرغم من أن عدد موظفي هذا المحل التجاري الضخم، يتعدى الـ 80 أو الـ 90 شخصا، وبحسب رواية السيدة تجبر العاملات بعد مرور 6 أشهر على توقيع ورقة بأن ليس لهن أي حقوق تذكر، وغير ذلك إن فكرت إحداهن بتقديم ملاحظة أو اعترضت، فإنها ستفقد وظيفتها تلقائيا.

قصص لن تتوقف عن جشع يختبره العمال في كل يوم، وإجبار على شروط صعبة فيها استغلال للحاجة، سيتضاعف حجمها أكثر إن لم يكن هنالك مراقبة ومتابعة مستمرتان من الجهات المختصة، وتصويب للأوضاع واحترام لحقوق جميع العاملين، والتأكيد على ضمان الأمان الوظيفي والعدالة بالأجور من دون الإخلال بها أو سلبها لاحقا.

يكفي ما يعيشه الموظف من متاعب وضغوطات نفسية واجتماعية واقتصادية، وغلاء مستمر بأسعار السلع الغذائية والمحروقات وتآكل بالدخول وانحسارها، ولا ينقصه مع كل ذلك قهر وظلم واستغلال، وإنكار واضح وصريح لأدنى حقوقه.

في لحظة ظلم وكبت وقهر وضغط يخترق الصدر، قد يفقد الإنسان حياته.. وحينها لن ينفع الندم في شيء.

المقال السابق للكاتبة 

قتل النساء.. من أين نبدأ لإنهائه؟

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock