أفكار ومواقف

المعلم ضحية التحولات..!



نراقب بأسف عميق ما آلت إليه حال العلاقة بين المعلم والطالب في مدارسنا، وظهور عنوان “العنف المدرسي” كثيراً في عناوين الأخبار. ولا تنفصل هذه الظاهرة عن مجموعة فورات العنف التي تحدث في أكثر من مكان. وكل هذا مقلق وله أسباب عميقة يمكن أن يتعقبها المختصون. لكنني سأحاول، بأدواتي البسيطة، أن أقرأ التحول في العلاقة بين الطالب والمعلم في المدرسة، في سياقاته العامة.


لن أزعم أن المدارس التي درسنا فيها كانت قطعة من الفردوس. لم تكن مدارسنا تخلو أبداً من العصيّ الملازمة لمعظم المعلمين مثل لوح “الطباشير”، والتي لا تكتمل صورتهم بغيرها. ولم تكن تلك العصي لمجرد العرض والملحقات الشكلية، وإنما كانت تستعمل بالفعل. لكنني لا أذكر خلال اثنتي عشرة سنة قضيتها في المدارس أن عين زميل لنا قد اقتلعت، أو أن آخر أصيب بارتجاج في الدماغ أو بعطب جسدي كبير. وفي المقابل، لم أشهد سوى مرة واحدة في الثانوية اعتداء طالب على معلم، عاد فضرب الطالب بعد ذلك بمنفضة سجائر.


كان حظّنا أن ندرس في المرحلة الوسيطة بين الكُتّاب وبين اتخاذ المدارس شكلها المعاصر. وكانت تلك المرحلة “وسيطة” بكل المعاني، فقد شهدت بدايات تحولات شهدها المجتمع الأردني والمجتمعات العربية كلها بفعل تأثيرات المدّ النفطي وما تبعه من إعادة الفرز المجتمعي. وكانت أولى وأهم وسائل ذلك التحول هي التعليم، السبيل الوحيد لكي يحرز الفرد أي تقدم من أي نوع. وكان آباؤنا البسطاء الطامحون إلى أن نعيش حياة أقل ضنكاً مما عاشوه، يعتقدون، محقين، بأن السبيل الوحيد إلى ذلك هو التعليم. ولزم عن ذلك أن تكونت للمعلّم مكانة صانع المعجزات، وعرّاب التحوّل والانتقال على المستويين، الفردي والجمعي. وكان المعلم يشعر بهذا الدور في نفسه، ويحظى بالاحترام الاجتماعي باعتبار وظيفته الأرفع. وقد رتّب ذلك العلاقة بين الطالب والمعلم تلقائياً، وترجمها عموماً إلى حرص الأستاذ على تقديم ما يليق به، وحرص الطالب على احترام معلمه وتلقّي كل ما يقدمه له.


سرعان ما حدثت الانقلابات الهائلة في البنية الاجتماعية التي صاحبت وصول المدّ النفطي إلى ذروته في السبعينيات والثمانينيات. وكانت المفارقة أن المعلم الذي كان أول من اغترب في دول النفط لتسهم تحويلاته في إحداث التغيير الاجتماعي الدراماتيكي، بدأ يفقد دوره ليتحول من محرك التغيير الأول إلى شخصية هامشية، في مجتمع أصبح فيه التاجر والطبيب والمهندس والمحامي والموظف الحكومي أرفع منه مكانة في العين الاجتماعية، وأكثر منه دخلاً بما لا يُقاس، وأكثر وجاهة في بعض الأحيان، لأن الموظف الحكومي يحس على الأقل بدعم المؤسسة المعنوي وإمكانية الصعود في السلم الوظيفي وقدرته على “تسليك المعاملات”، ولو تساوى مع المعلم في الدخل.


اليوم، أصبحت مهنة المعلم هي آخر شيء يبحث عنه الفرد. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التقدير على تعاظم إحساس المعلم بالفقدان، على المستوى المادي والمعنوي، وأن ينعكس أيضاً في نظرة الطالب إلى المعلم وقدر احترامه له، خاصة في ظل تعاظم دور القطاع الخاص، وما صاحبه من طبقية التعليم بحيث يصرف الطالب أحياناً في أسبوع أكثر مما يكسبه المعلم في شهر. وفوق ذلك كله، جاءت القوانين التربوية لتضيف شيئاً إلى اجتراء الطالب على المعلم، ليصبح الطالب مستنداً إلى النظرة الاجتماعية، وسطوة الطبقة أحياناً، والعائلة أو القبيلة أحياناً أخرى، والقانون الذي يحميه من عصا المعلم.


باختصار، جاءت التحولات المذكورة العفوية لتخل باستقرار العلاقات في المدرسة وسارت على عواهنها مثل كل شيء آخر. و”العنف المدرسي” هو أقل التداعيات سوءاً. أما الحاصل الأخطر، فهو العنف الذي يُمارس في حق التعليم كله كفكرة، وينعكس سلباً على أداء المجتمع كله، وهو عنوان يحتاج إلى بحث خاص.

تعليق واحد

  1. كان زمان
    زمان فيما مضى كان المعلم لا تفارقه العصا وكان المعلم اكبر قيمة اجتماعية وكانوا يتغنون به في الاعراس وسعيدة الحظ تلك التي تتزوج معلما ولم يكن الطالب يجرؤ على النظر في وجه المعلم او مناقشته في اي امرليس خوفا من العصا انما احترام لذات المعلم واجلالا له مضى على تركي المدرسة اكثر من ربع قرن ولا زلت الى الان اهش وابش فرحا وسعادة اذا ساقت لي الصدفة واحدا ممن كان لهم الفضل في تعليمي يوما من الايام
    اعطوا المدرس حقه واسممحوا له بأنشاء نقابتهوعززوا مكانته الاجتماعية فهو الذي يخرج الوزير وقائد الجيش والطبيب والمهندس والقاضي ثم بعد ان تعطوه حقه حاسبوه

  2. اعيدو للمعلم هيبته
    اريد ان اوجه تحية للكاتب واعقب على ماقاله بان نظرة المجتمع انقلبت راسا على عقب تجاه المعلم بعد ان بات بلا قوانين تحميه ولا راتب يسد اقل احتياجاته فاصبح الذي لم بنهي الصف العاشر اكثر راتبا منه واكثر قبولا من قبل المجتمع بسبب امتيازاته الاخرى اما اخونا المعلم(وانا للاسف معلم)بات على حافة الهاوية اجتماعيا وماديا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock