أفكار ومواقف

المعلومة وبناء المعرفة في التعليم

في المقال السابق رأينا كيف أن عملية التعليم لدينا تتركز حول الامتحان ومخرجاته، لا من أجل قياس مستوى المعرفة، بل لمستوى الحفظ، كما لا تستخدم لقياس التكوين التعليمي، أو مستوى المادة، أو جودة المنهاج وفاعلية التدريس، أو سلامة السياسات التعليمية.
وفي هذا المقال سأتحدث عن معضلة أخرى لم تجد طريقها إلى الحل حتى اليوم في منظومة التعليم الأردنية، وهي تعريض الطالب لكم هائل من المعلومات والأفكار والأرقام، والتي يمكن أن نسميها “معلومات نيئة”، يراد للطالب حفظها، ربما تشتمل على معنى ما خطر في بال واضع المناهج، ولكنها بالتأكيد تبقى مجرد معلومات ما لم يتم التدخل لوضعها في سياق آخر تنقلها إلى درجة أعلى.
التدخل، بمعناه البسيط، هو كيفية استخدام المعلومات المتوفرة لبناء معرفة. وفي حين تقول القاعدة إن “كل معرفة هي معلومات، وليست جميع المعلومات معرفة”، ينصب الجهد الأكبر في نظامنا التعليمي على تكريس نقل المعلومات إلى الطالب، ومن دون ضوابط في أحيان كثيرة، بينما لا تكاد تظهر ما يمكن تسميتها “الانسيابية” في تتابع الدروس، أو منطق تتابع المادة، ما يحيل أحيانا، بالفعل، إلى تشتت الفكرة الكلية، وتغييب الهدف الأساسي من المادة.
في الأدبيات النظرية لنظامنا، من الممكن لنا أن نجد ديباجات حول تأثير المنهاج على زيادة المعرفة، والتنظير لفاعلية بناء الوعي والإدراك من خلاله، ولكن ذلك يبقى في إطار التنظير، وليس التأطير الفعلي، إذ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى معلم ميسر “ Facilitator”، يكون مؤهلا لهذه العملية، وقادرا على خلق التفاعل الصفي، وإدارة عصف ذهني حقيقي، أو فتح الباب أمام الطالب ليرى ما وراء المعلومة، وكيفية استخدامها للتعرف على ما يمكن أن تتحول إليه من معرفة من خلال ربطها بسياقاتها المنطقية، أو مع غيرها من المعلومات الأخرى.
في الأنظمة التعليمية التي تعتمد التلقين من أجل الحفظ والامتحان والعلامة، نادرا ما يأتي مثل هذا التدخل، فالمعضلة الأساسية الثانية التي أنشأناها هي أننا عمدنا إلى إبطال صفة “الميسر” عن المعلم، وهو أمر حدث عندما اعتمدنا قبول مدرسين في نظامنا التعليمي لمجرد أنهم درسوا تخصصات معينة كالفيزياء والكيمياء والجغرافيا والرياضيات والعلوم، واعتقدنا جازمين أنهم قادرون على تدريس هذه المواد للطلبة، فجعلناهم أخصائيين في تدريس تلك المواد، بينما كثير منهم لا يمتلك أي مهارات تدريسية، بينما بعضهم يفتقر إلى مهارات التواصل الصحية مع الطلبة، فكيف لنا أن نطلب من هؤلاء أن يصبحوا ميسرين، وأن يخلقوا غرفا صفية تفاعلية مليئة بالأسئلة الناقدة، والمؤهلة لإنتاج المعرفة.
لقد كانت الخطيئة الكبيرة قبل سنوات طويلة، حين لجأنا إلى تعطيل “معهد دار المعلمين” في جبل الحسين، و”معهد المعلمات” في عجلون، اللذين كانا يخرجان مدرسين ومدرسات بمهارات تربوية وتعليمية عالية، وهم من انبنت عليهم النهضة التعليمية التي ميزت الأردن على مدار عقود منذ منتصف القرن الماضي.
يتيح “المعلم – الميسر”، والذي يتوجب أن يتصف بالمعرفة و”التأثير بالحضور والأسلوب والطريقة”، خلق غرفة صفية تفاعلية، يشترك فيها الجميع بالنقاش حول المعلومات أو النصوص أو البيانات، لتكوين المعرفة التي من الممكن أن تنضوي عليها. هي وظيفة ليست سهلة، وتحتاج إلى مؤهلين لا يلجؤون إلى امتحان حفظ الطلبة، بل يجهدون في بناء المعرفة لديهم، وهي المعرفة التي تتأسس على البناء المنطقي في معالجة المعلومة، ومن دون المنطق لن يكون باستطاعة الطلبة أن يتخلصوا من عقدة الحفظ المزمنة. ربما هنا تكمن خطيئة أخرى تواطأنا عليها جميعنا، وهي تغييب المنطق والفلسفة عن الكتب والمناهج، والتي خلقت أجيالا لا تتمتع بمهارات التفكير المنطقي والإبداعي والناقد، واكتفت بتحصيل العلامات!
بعد ذلك، لا بد من الاعتراف أن نظامنا التعليمي يؤسس لطالب يحترف الحفظ، ولا يسعى إلى زيادة إدراك الطالب ووعيه. بينما الهدف الأساسي للتعليم هو بناء الطالب القادر على تطوير المعلومات إلى مهارة بناء المعرفة. من هذه النقطة بالذات يمكن لنا أن نبدأ بإصلاح منظومتنا التعليمية بأكملها.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock