أفكار ومواقف

المغيرات “من الجو” صبحا

كان صديقي العتيق كمن أخذ ينكأ جرحاً غائراً في النفس، وراح يذرذر عليه رشة ملح ناعم، حين أعاد في حديث جانبي إلى ذاكرتنا المشتركة مرارة هزيمة حرب العام 1967، التي تجرعها كلانا، مع ملايين العرب، صبيحة يوم الخامس من حزيران؛ وذلك عندما قال لي، في معرض استعادة بعض صفحات ذلك الزمن الكئيب: هل تذكر كيف انطلت على عقولنا الصغيرة كذبة الأنظمة، التي علقت هزيمتها على مشجب تدمير طائراتها الحربية وهي رابضة في مهاجعها، وتبرير انسحاب ارتالها البرية بذريعة الافتقار للغطاء الجوي؟
قلت: ما الذي دعاك أيها الطاعن في السن والحزن والرصانة، إلى استرجاع هذه الحكاية التراجيدية بعد مرور نحو نصف قرن على انزوائها عميقاً في تلافيف الذاكرة المثخنة هذه الأيام بالكثير من الجراحات النازفة؟ وما الذي يمور في نبرة صوتك المثقل بالأسى والالتياع، لكأنك قد اكتشفت شيئاً جديداً، وصحوت بعد سبات طويل على خدعة لم تجس غورها في حينه، ولم تتبين أصلها وفصلها، إلا بعد أن وقفت متأخراً جدا على حقيقة دامغة جديدة؟
“كيف مرت علينا هذه الخدعة؟!”، قال وهو يشير الى تطبيقات حروب الجيل الرابع، الجارية على قدم وساق في معظم بلاد المشرق العربي، وكيف تتواصل المعارك، وتتنقل وحدات المهاجمين برشاقة بين ساحات الحروب المتباعدة، وأحياناً عبر البراري والصحاري المكشوفة، تجتاح مواقع عسكرية حصينة، وتبث رعبها، ليس فقط من دون أن يكون لديها غطاء جوي، وإنما ايضاً تحت ضربات المغيرات من الجو صبحا وعشية، تنفذها طائرات حربية حديثة يصواريخ ذكية، أين منها قنابل وطائرات جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية!
زاد، والحسرة تهمي من بين شفتيه وتجلل تهدجات صوته المتعب: لقد آمنا إيمان العجائز، حتى الأمس القريب، بفرضية أنه من غير غطاء جوي لا تستطيع الجيوش أن تقاتل، وأن سلاح الجو هو العامل المقرر في الميدان وحده، وأن تحقيق التوازن الاستراتيجي يتطلب أول ما يتطلب امتلاك طائرات حربية مكافئة لما لدى العدو من أسراب مقاتلة وقاذفة، وذلك إلى أن عشنا ورأينا أن ذلك كله كان تستراً على حقيقة مريرة، ألا وهي أننا لم نكن نملك، في واقع الأمر، جيوشاً فعلية، ولم تكن لدينا إرادة قتالية.
“على رسلك”، أجبت وأنا أشارك صديقي طعم المرارة الشديدة: لم تكن حرب حزيران هي الحرب الوحيدة التي تم حسمها من الجو، في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كانت الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد يوغسلافيا السابقة، في البوسنة ثم في كوسوفا، مثالاً قوياً على مضاء أسلحة الجو المتقدمة في الحرب ضد جيش نظامي، ناهيك عما حدث في عاصفة الصحراء ضد أرتال الجيش العراقي المنسحبة من الكويت، وغدت يومها شبه عارية أمام أسراب الطائرات المغيرة، تماماً على نحو ما حدث في حزيران 1967.
وزدته من القول قولا: ما نشهده اليوم من معارك متنقلة، ليست امتدادا للحروب الكلاسيكية المعهودة. فنحن هنا أمام لاعبين “لا دولاتيين” مدججين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ناهيك عن العقائد الفتاكة، والخبرات التكتيكية المتراكمة على مدى العقود القليلة الماضية. هم “فاعلون” متوحشون، يقاتلون على الأرض جيوشاً مهترئة، رأينا هرولاتها في الموصل قبل نحو عام، وفي الرمادي قبل أيام، ولا تنسى المشاهد المماثلة في إدلب وجسر الشغور وتدمر، فيما كانت الغارات الجوية تتواصل في الليل وفي النهار من دون انقطاع، كاشفة عن خواء نظرية كسب الحرب من عنان السماء.
وعليه، فإن الاستنتاج الجوهري، الذي يمكن أن يتوصل إليه واحد مثلك ومثلي، ليس لديهما أيها الصديق خلفية عسكرية، هو أن الإرادة، وليست الجيوش، هي التي تقاتل، وأن الروح المعنوية العالية والصبر في الحرب، هما اللذان يكسبان المعركة، وليس الأسلحة وعسكر الاستعراضات البديعة، حتى وإن تطلب ذلك وقتاً أطول، وثمناً أعلى من كلفة الحروب التقليدية. فلا تجلد نفسك كثيراً يا من تعذب الذكريات القديمة قلبه، وكن على ثقة يا صديقي أن الحروب “اللامتماثلة” لا تحسم حربا من الجو أبدا. اسأل عن ذلك قادة التحالف الدولي في العراق، والتحالف العربي في اليمن، وعرج في الطريق على براميل الأسد المقنبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock