صحافة عبرية

المقاربة تقتضي التحالف مع القائمة المشتركة

هآرتس

دورون نبوت

22/9/2019

قصة الحملة الانتخابية الحالية وعملية تشكيل الائتلاف هي بدرجة ما الصراع بين المحافظة والرجعية. الليبراليون والديمقراطيون يميلون الى أن يروا فيهما شيئا واحدا ورفضهما. ولكن هناك بين المحافظين والرجعيين فروقات كبيرة ومهمة من شأنها أن تقرر مستقبلنا.
المحافظ الحقيقي يريد الحفاظ على النظام القائم وعلى مؤسساته. وهو غير ملزم بصورة دوغماتية برؤيا معينة، بل هو يخاف من الفوضى، عدم الاستقرار والتجارب في السياسة. هو يفضل التقدم ببطء وحذر من خلال احترامه لما يعتبره حكمة الاجيال والتجربة. هو ربما مع التحسين، لكن دائما يكون ضد الثورات. الرجعي في المقابل، يتمسك بمواقف أكل الدهر عليها وشرب، لكنه مستعد لأن يغير من الاساس محيطه الذي يعيش فيه والسعي الى تقويض النظام القائم. احيانا هو يريد أن يدفع الى الامام برؤيا قيمية باسم ماض متخيل لم يكن موجودا في أي يوم، واحيانا هو يأمل نظاما تراتبيا كان في السابق ولم يعد موجودا الآن. الاساس هو أن الرجعي، خلافا للمحافظ، هو راديكالي ومستعد لاجراء تغييرات بعيدة المدى.
على مدى سنين اعتبر بنيامين نتنياهو محافظ أو أحد المحافظين الجدد، وهو في الواقع بدرجة كبيرة كان هكذا: طالب في الاقاليم المحافظة الاميركية في السبعينيات، يشجعه الحزب الجمهوري، يؤمن بصراع الحضارات، منضبط ومقل في استخدام القوة، مؤيد كبير للسوق الحرة ويدفع الى الامام بإصلاحات ترسخ النظام القائم في الغرب – الفردية، اعادة التنظيم، تقليص القطاع العام وخفض الضرائب. الى جانب ذلك، عقد تحالف مع الحريديين الذين في رؤيتهم يعارضون التغيير، ومع المستوطنين الذين يمثلون الماضي القديم لشعب اسرائيل. بهذه الصورة، مواقفه الامنية والاقتصادية تساوقت مع القوى المحافظة في اسرائيل. ايضا وجوده الطويل في المنصب حوله الى شيء محافظ يعيش فيه بسلام.
ولكن نتنياهو لم يكن في أي يوم محافظ حقيقي، خلافا للمحافظين نتنياهو لم يحترم في أي يوم النظام الاجتماعي الذي كان قائما في اسرائيل، هو لم يندمج في أي يوم في نظام الحكم أو قدره. المؤسسات هنا أعتبرها ليبرالية جدا، والاقتصاد اعتبره اقتصاد مباي، أي صيغة بلشفية محلية. مع الاعلام هو غير متناغم، وبينه وبين المؤسسة الامنية يوجد شك. أي خلاف لمحافظ حقيقي الذي على الاقل يتفق مع ما هو قائم، وعلى الاغلب حتى يندمج به، نتنياهو لم يندمج في أي يوم في النظام القائم ولم يقدر في أي يوم التدخل الحكومي في الاقتصاد ولم يقدر يسارية وسائل الاعلام والمؤسسة العسكرية. اضافة الى ذلك، العقد الاخير لنتنياهو اعطى جائزة لموقفه السلبي وتحول من شهر الى آخر الى اكثر رجعية.
ما دفعه الى هذه الاماكن المتطرفة هو النظام الحزبي الذي تبلور هنا في اعقاب الاحتجاج الاجتماعي في العام 2011، نضاله الشخصي على تشكيل وجه الاعلام الاسرائيلي، وكما هو معروف، تورطه في تحقيقات جنائية. هذه التحقيقات ليس فقط تعرضه للخطر بصورة شخصية، بل هي دليل من ناحيته على أن مؤسسات نظام تطبيق القانون لا تستحق الثقة والاحترام. “نعم، يجب كسرها!”، كتب معلمه وسيده جابوتنسكي في العشرينيات. في خلفية هذه الامور، تلقى التشجيع من الموجة الرجعية “الشعبوية” التي تمر على كل العالم في العقد الاخير، ومن خطاب زعماء مثل فكتور اوربان ودونالد ترامب.
ولكن اغلبية الجمهور، خلافا لنتنياهو، غير متورطة في قضايا جنائية. اغلبية المواطنين ليسوا كذلك ولم يكونوا رجعيين مثله، بل هم محافظون. بالنسبة لهم، النظام القائم هو أمر جيد بحد ذاته. وبالتأكيد النظام في اسرائيل. اضافة الى ذلك، في الوقت الذي فيه عدد من المصوتين له محافظون في طبيعتهم، فان عددا آخر من الجمهور، الذي هو ليبرالي وديمقراطي ويسعى الى تعميق المساواة وتغيير طبيعة المجتمع، تحول الى محافظ يخاف من أن تختفي المؤسسات الليبرالية.
الأمر الذي تقتضيه الساعة بالنسبة لهذا الجمهور، والذي ازرق ابيض ربما هو التجسيد الحزبي النقي له، هو الحفاظ على المؤسسات القائمة، وليس تعميق الديمقراطية والنظام الليبرالي، رغم أن هذه اهداف جديرة في الاوقات العادية، بل الدفاع عن الدولة وسلطة القانون. منع نتنياهو من اسقاط المحكمة العليا والنيابة العامة ومؤسسة المستشار القانوني، كما يفعل في هذه الايام لمؤسسة مراقب الدولة، ومنع تعميق التهويد، والحفاظ على “القائم” والواقع تحت الهجوم. لذلك، حسب رأيهم، عمير بيرتس تصرف بعدم مسؤولية وحتى بأنانية؛ بدلا من التصرف كمحافظ مثلهم والوقوف بصورة قاطعة في الدفاع عن المؤسسات القائمة، عمل على تعميق النظام الاشتراكي – الديمقراطي، الامر الذي يعتبر بالنسبة لهم ترفا في افضل الحالات.
ولكن ربما ازاء عظم التهديد، وعلى الاقل جزء من المحافظين الاسرائيليين الجدد يدركون، أو سيدركون، بأنه ليس فقط أنه يوجد مكان لمن يريد تأسيس اشتراكية ديمقراطية، بل ايضا أنه حان الوقت لعقد شراكة مع القائمة المشتركة. هذا هو الوقت لشراكة كهذه، لأن جزءا كبيرا من الجمهور يعتقد أنه حان الوقت لصد التهديد الاكبر – الثورة الرجعية لنتنياهو. ومن اجل فعل ذلك هناك حاجة الى أيمن عودة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock