أفكار ومواقف

المكاسرة بين الحكومة ونقابة المعلمين

لو أجري استطلاع للرأي في الأردن فإن الغالبية العظمى إن لم نقل الجميع يؤيدون إنصاف المعلمين والمعلمات وظيفيا، ويريدون تحسين واقعهم المعيشي، ويدركون أن هذا حقهم، ويعلمون أن هذا طريق النهوض بالواقع التعليمي لضمان كفاءة واقتدار الاجيال القادمة، وقدرتها على المنافسة والابداع والابتكار، فذلك البنيان اساس لتطور بلادنا.
هذا الكلام ليس إنشاء بل حقيقة تراءت أمامي وأنا أراقب التحشيد بين الحكومة ونقابة المعلمين.
أول ما يجب أن يقال قبل مناقشة الأزمة الناشئة بين الطرفين إن الجميع في الأردن تضرر جراء جائحة كورونا، واقتطاعات الرواتب شملت الجميع في القطاعين العام والخاص، وهذا لا يعني موافقتنا على التوجهات التي سلكتها الحكومة للتعامل مع التداعيات الاقتصادية، ولكن ما يجب ان يفهم أن الامر ليس محصورا بنقابة المعلمين ولا يستهدفها وحدها.
الأمر المقلق في المناوشات الخطاب المتشنج والفظ الذي يقدمه نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة والوعيد غير المبرر بقوله «والله لو ارتدت علينا الكرة الارضية لن نتراجع عن فلس واحد من علاوتنا، أو بند واحد من اتفاقنا».
ويتابع الخطاب الذي لا يخلو من الاستعراض «والله لو ارتدت الكرة الارضية وليس الحكومة ودوائرها لن نتراجع».
بصراحة ما هكذا تخاض الصراعات النقابية، وما هكذا تعالج الأزمات، خاصة وأن الأردن لم يتعاف من آثار جائحة كورونا، والناس ما يزالون تحت وقع الصدمة ويتفقدون جراحهم.
حاول النواصرة تدارك ما حدث، وتطويق الحملة التي اشتعلت ضده، ووقف توظيف خطابه لحرق صورته بالتأكيد على أنه لم يهدد أحدا، وأن كلامه أخرج من سياقه، وأن هناك من يسعى لشيطنة نقابة المعلمين متهما في حديث لراديو البلد من سماهم «كتاب التدخل السريع» بفعل ذلك، اي صب الزيت على النار.
وبتجرد اللغة المستخدمة تحفل بالوعيد تلميحا وتصريحا، ويتأكد الظن حين تستمع وتشاهد فيديو آخر للقيادي في نقابة المعلمين باسل الحروب يعلن لا تعليم ولا دراسة العام القادم ما لم تتحقق مطالبهم.
ويزيد القلق أكثر حين تقرأ بيان نقابة المعلمين الذي يؤكد أنهم «يدافعون عن الطبقة الكادحة وإرادة المسحوقين ضد تغول الفاسدين والتحالف الطبقي»، وتتساءل ان كان هذا بيان لنقابة ام لحزب سياسي؟ وتتيقن أكثر ان هناك تحشيدا لمكاسرة في الطريق سيدفع ثمنها الوطن.
لا أنكر على نقابة المعلمين حقوقها، وأطالب بإعادة كافة العلاوات الى كل موظفي القطاع العام وفي مقدمتهم المعلمون، وكذلك الغاء اوامر الدفاع التي اجازت الخصم من الرواتب، والاستغناء عن موظفي وموظفات القطاع الخاص فورا وقبل ان تتفاقم المشكلة ويصعب تطويقها، غير ان هذا الموقف لا يتحقق بالتوجه الى « لي ذراع» الدولة، وطرح برنامج تصعيدي من الآن ينتهي بالإضراب المفتوح، ومقاطعة الانتخابات.
الإضراب التاريخي لنقابة المعلمين العام الماضي وجد تضامنا وتأييدا شعبيا غير مسبوق، ولولا ذلك لم تحقق للنقابة مطالبها، ولما نجحوا في إجبار الحكومة على توقيع الاتفاقية التي تتضمن حزمة اصلاحات لقطاع المعلمين، والخطأ وسوء التقدير الآن أن تتوهم قيادة نقابة المعلمين أنهم سيحظون بنفس المؤازرة الشعبية إن لجؤوا للتصعيد، وأن أهالي الطلبة مستعدون للقبول مرة أخرى بالإضراب وتعطيل التعليم بعد أن ذاقوا الويل في الأشهر الماضية نتيجة توقف التعليم في المدارس.
لست مع تحريك دعاوى ضد نقابة المعلمين لأنهم تبرعوا لصندوق همة وطن أو وزارة الصحة، ولست مع التهديد بحل مجلس النقابة أو فصل أعضائه، فهذا كله تربة خصبة لتعميق الشرخ، وتأزيم للمشهد، والبلاد في غنى عن ذلك، والمطلوب مبادرة تعيد بناء الثقة، وتؤكد على حسن النوايا وتجمع الحكومة والنقابة لوأد الأزمة في مهدها، فلسنا بحاجة لمعركة جديدة، ويكفي البلاد ما حل بها بسبب وباء كورونا.

انتخابات 2020
23 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock