أفكار ومواقف

المكان بما هو مركز الهوية والانتماء والمشاركة

“مركز الحقيقة حيث يتصادف أن يكون المرء. ومحيطها ما يدركه خيال المرء”. نورثروب فراي
عندما ينفصل وعي الذات عن المكان تتشكل الهويات والثقافة والفنون والتواريخ والقصص والحكايات حول الرغبات وأحلام اليقظة والأهواء وفي أحسن الأحوال بعيدا عن الحياة والواقع، .. هذه هي قصة أمم وجماعات كثيرة انفصلت عن المكان أو لم تقبل الاندماج في مكانها الجديد سواء بالهجرة أو بتغير ظروفه، وتحولت إلى جماعات من المهمشين والمتطرفين أو الكارهين والمكروهين، تبدأ القصة استعلاء أو حنينا أو رفضا للحقائق والأحداث أو شعورا بالتميز أو العزلة والوحدة أو النقص والمهانة، لكن وعلى نحو آخر تمضي شعوب وأمم بنفسها نحو الاستلاب والتيه والضآلة وهي تستمد رؤيتها لذاتها وأفكارها وبرامجها من أماكن وتجارب وتواريخ بعيدة أو متوهمة، ولحسن أو سوء الحظ فإن السياسة والانتخابات والمدن والأسواق والأعمال والبرامج والأحزاب والأفكار والتيارات السياسية تتبع هذه الرؤية للذات، سواء كنا ندرك ذلك أو لا ندركه، نعترف به أو لا نعترف.
يقول عالم الجغرافيا السياسية الأميركي ورئيس جامعة جون هوبكنز (1935 – 1948) أشعيا بومان إن الجغرافيا تتغير بسرعة لا تقل عن سرعة تغير الأفكار نفسها أو التغير في مجال التكنولوجيا، أو بتعبير آخر فإن معنى الظروف الجغرافية يتغير، وفي ذلك فإن التاريخ ليس شهادة ميلاد أو وثيقة نهائية، وليس مقدسا بالطبع، ليس سوى جزء من المكونات والأفكار تضيف إلى المواطنين جزءا من رؤيتهم، لكن الهوية والتاريخ والسياسة والانتماء والمشاركة والولاء في كتلتها الحاسمة هي المواطنون في اللحظة القائمة والذين أنشأوا عقدهم الاجتماعي مع المكان والسلطة فيه، وحتى ما يبدو تاريخا جميلا لم يكن سوى هذه الحقيقة، الناس الذين تجمعوا حول مكان، واختفوا أو تغيروا بتغير المكان، .. الديكابوليس على سبيل المثال!
وهكذا ينشئ المواطنون بما هم منتمون على نحو مصيري إلى المكان فنونهم وآدابهم وأسلوب حياتهم أيضا، .. ويقدرون احتياجاتهم وأولوياتهم، ليس هذا ترفا أو قصة مدرسية، لكن الإنسان في تقديره لصحته وغذائه وسكنه وعمله وفي ترتيبه للاحتياجات والتطلعات ينشئ حياته وعلاقاته، وينشأ أيضا التقدم الفردي والاجتماعي والاقتصادي، بما هو الإدراك الصحيح للاحتياجات والأولويات وترتيبها ترتيبا صحيحا. وعلى سبيل المثال فإن الطقس والمناخ والفصول الأربعة في طبيعتها وتنوعها واختلافاتها تنشئ اتجاهات في البناء واللباس والطعام والزراعة، وحين تنفصل حياة الناس عن هذه الحقيقة تنفصل الأعمال والأسواق والأذواق والمؤسسات عن الموارد، فتزيد الكلفة ويحدث هدر كبير في موارد وفرص متاحة، ثم تنشأ متوالية من المهن والأعمال والاتجاهات صحيحة أو مختلة حسب طبيعة العلاقة مع المكان وظروفه.
وفي التحليل والدراسة يستدل بالاتجاهات المعيشية والاستهلاكية على التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ولكن حين لا تعكس هذه الاتجاهات المعادلة المفترضة وهذا يحدث كثيرا وبخاصة في بلادنا يكون ثمة خلل كبير وخطير، .. ولكنه خلل يمنح مؤشرات مهمة للإصلاحيين والتنمويين لتقدير الأولويات الإصلاحية،.. وللأسف الشديد فإنها اتجاهات يلتقطها البائعون أكثر من الإصلاحيين .. وعلى سبيل المثال ازدهرت البنوك المسماة إسلامية في التقاطة البائعين الاستثمارية لاتجاهات التدين وكذلك الانتخابات وتجارة المواشي والنقل … ولم توظف الظاهرة في اتجاهات اجتماعية وسلوكية راقية، وهكذا أيضا فإن مراجعة فكرية أو نقدية او حتى مجرد اقتراب من ممارسات أضفي عليها الدين يؤدي إلى حرب كاسحة وخطيرة مع مرابين وتجار مواش وعقارات وباصات وملابس صينية، وتصبح تجارة استيراد الأغنام والأوهام من أستراليا شعائر دينية يساوي المساس بها في الجريمة حروب الإبادة في البوسنة والهرسك، .. لكن أحدا بالطبع لن يشغله أن تترك أركان الإسلام كالصلاة والصيام!
وهكذا أيضا ازدهرت في الاقتصاد والتجارة المولات والاتجاهات الاستهلاكية الأقل ضرورة ولم تزدهر الصناعات الغذائية والدوائية ومشروعات الطاقة والمياه والاثاث وتطوير البناء والتعلم الذاتي والتعليم المستمر .. وفي الثقافة والفنون اكتسحت الفنون الضحلة ولم تتقدم الفنون التشكيلية والنحت والمسرح والرواية والموسيقا الجميلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock