أفكار ومواقف

المكتبات العامة.. مرة أخرى

في مقالة أمس، ناقشت الأهمية الكبيرة التي تمثلها المكتبة العامة راهنا، ولماذا يتوجب علينا أن نزيد من اعدادها، واليوم أناقش شكل هذه المكتبة، وكوادرها، وبرامجها والجهات التي ينبغي لها الإشراف عليها.
في الأردن ، ثمة عدد من المكتبات العامة، وقد حاول العديد من البلديات وبعض المؤسسات الحكومية، تأسيس مكتبات خاصة بها، لتعميم فائدتها على المجتمعات المحلية، وهي خطوة إيجابية بلا شك، يمكن لها ، في حال نجاحها، الإسهام برفع الوعي والثقافة والمعرفة داخل المجتمعات.
لكن تجربة تلك المكتبات، واجهت تحديات عديدة، وبالتالي لم يكتب لكثير منها أي نجاح، ويعود ذلك لأسباب جوهرية، أهمها “ذهنية القطاع العام”، أو طبيعته، والتي تتبدى بشكل لافت في الدوام والإنتاجية وضعف التدريب. بعض تلك المكتبات كان دوامها ينتهي بالدوام الرسمي، ما يمنع الأطفال والشباب والجهات المستهدفة من الاستفادة من برامجها. بعضها الآخر كان يخلو من الكوادر، أو من الكوادر المؤهلة فعليا. واحدة من تلك المكتبات التي اطلعت على تجربتها، يحتفظ شخص واحد بمفاتيحها، وهو يفتحها ويغلقها حسب مزاجه الشخصي، ولا توجد أي مسؤولية قانونية على سلوكه هذا. مكتبة أخرى تعرضت محتوياتها للتعفن والتلف نتيجة إقفالها لفترة زمنية طويلة، رغم المبالغ التي صرفت من أجل تجديدها وتحديثها.
لكن نقص الكوادر ليس التحدي الأوحد، فهناك، أيضا، مسألة الكوادر البشرية المؤهلة لإدارة مكتبة اليوم، وهي مسألة حاسمة في نجاح التجربة من عدمه، فموظف المكتبة الحديثة لا يقتصر عمله على الأمور الفنية المحددة بعمليات التصنيف والإعارة والإرجاع، بل يتعدى إلى وجوب أن يكون مبدعا حقيقيا قادرا على إرشاد الرواد إلى كتب بعينها، ويستطيع مناقشة محتواها معهم.
وأيضا، هذا الأمر ليس كل عمله، بل الأهم أن يكون قادرا على فهم المجتمع المحيط، وأن يحدد احتياجاته المعرفية والثقافية والترفيهية، وبناء برامج تدريبية تستهدف هذا المجتمع، واختيار أفضل المدربين لكي يقوموا بهذا العمل، وبعدها أيضا، يكون قادرا على جمع التغذية الراجعة من تلك الدورات، لكي يصار إلى تحديد مواطن الضعف أو الخلل فيها، وتجاوزها في غيرها من التدريبات .
كما أسلفت سابقاً، مكتبة اليوم تعدت دورها التقليدي كمكان للقراءة واستعارة الكتب، لتصبح أشبه بالمركز الثقافي المتكامل القادر على التأثير في البنية المجتمعية كلها، وبهذا الوصف، يلزم أن تتوفر لديها معطيات شاملة عن المجتمع الذي تعمل فيه، وإحصائيات عن أعداد الأطفال والشياب، والعاطلين عن العمل، والاحتياجات التي يمكن أن تطلبها هذه الفئات، وأيضاً إحصائيات عن المراكز الثقافية والشبابية والمكتبات، والتي يمكن لها بناء شراكات فاعلة معها، من أجل بناء دور تكاملي معها لمصلحة المجتمع.
من هذا المنظور، فإن افتتاح مكتبات جديدة لن يكون مجدياً ما لم تتوفر كوادر بشرية مؤهلة، قادرة على إدارة الفعل الإبداعي فيها، وليس الأمور الفنية فحسب، لكن عندما يتسنى لنا توفير مثل هذه الكوادر، فسنكون متأكدين حينها من أننا بدأنا عملية التغيير الإيجابي الشامل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock