أفكار ومواقف

الملك الأكثر تأثيرا وصراحة

لا غرابة أن يتصدر جلالة الملك، وللمرة الثالثة في أقل من عام، استطلاع الشخصية الأكثر تأثيرا في الأخبار، في التصويت الذي أجرته قناة الجزيرة الفضائية، فتفرد الصوت والجهد الملكي في قضايا عربية وإسلامية مفصلية، جعل جلالته الشخصية القيادية الأكثر تأثيراً في نظر شعوب المنطقة ممن شاركوا في الاستطلاع.
وفي قضية القدس تحديدًا، التي تمس الشعور الديني والعروبي لنا جميعًا، برز صوت جلالة الملك بقوة دفاعا عن المكانة المقدسة والهوية العربية للمدينة والمقدسات فيها، ففي وقت تغيب فيه المواقف المفصلية أو المبدئية المفترض أن تظهر في مواقف الزعامات، يقف جلالته وحيداً، ومستنداً إلى وصاية وشرعية دينية وتاريخية، لمواجهة الضغوط والتصدي لكل ما من شأنه المس بالقبلة الأولى للمسلمين.
الجانب الملفت في نتائج مثل هذه الاستطلاعات على صعيد المشاركين العرب فيها أنها تتزامن مع وحدة الموقف الشعبي والرسمي الأردني خلف جلالة الملك في التأكيد على “اللاءات” الملكية الثلاث، والتي جاءت في “زمن النعم” كما يصفه كثيرون، بخصوص تراجع مواقف عربية حيال القضية الفلسطينية لصالح ملفات أخرى.
ورغم أهمية هذه الوقفة خلف جلالة الملك والتي أخذت بعدا تقديرياً في الشارع العربي، إلا أن ذلك يُرتب على أذرع الدولة الأردنية المختلفة استغلال المواقف الدولية والعربية المؤيدة للموقف الأردني وموقف جلالته تجاه ما يُعرف بـ”صفقة القرن”، والضغط باتجاه تقوية موقف المملكة لمواجهة أي طروحات تعارض المصالح الأردنية وحكما المصلحة الفلسطينية والعربية.
علينا كأردنيين أن ندرك خطر هذه المرحلة وحجم الضغوط التي تمارس على دولتنا وقيادتنا وهو يزيد من أهمية الحاجة لتمتين الجبهة الداخلية، وتجاوز القضايا غير الملحة التي قد تقود لحالات الجدل والانقسام والاختلاف، والتمترس خلف وحدة الموقف وصلابة النسيج المجتمعي لأن الحفاظ على وجود الأردن وكينونته ومصالحه العليا يتطلب التوافق على الأولويات وتحييد الاختلافات وتعزيز الجوامع المشتركة.
وجلالة الملك دوما كان أكثر صراحة من الحكومات وأكثر اشتباكا مع الرأي العام الأردني، فحينما تحدث جلالته بصراحة وبتكرار خلال الأيام الماضية حول الضغوط التي يتعرض لها شخصيا والأردن في ملف القدس ومصير القضية الفلسطينية، لم نجد توضيحًا من الحكومة، أو على الأقل من الوزراء المعنيين، بما يساند هذا الموقف الملكي، ويخفف من الحمل السياسي والدبلوماسي على جلالته.
يعي الأردنيون تماماً أنهم طالما تخطوا صعابا وتجاوزوا تحديات وتفتتت مؤامرات على تماسكهم، لكنهم في هذه المرحلة مطالبون برص الصفوف أكثر، لكن الحمل لا يمكن أن يجزأ، فعلى الحكومة مسؤولية سياسية تفرض عليها الارتقاء بأدائها السياسي والإعلامي، ووضع الرأي العام الأردني المترقب بصورة أي معلومات هي من حقه أن يعرفها.
الحكومة اليوم يجب أن ترفع من سوية أدائها كفريق ووزراء في الاشتباك الإيجابي مع الأردنيين، وأن يقوم الإعلام الرسمي بدور يرتقي لمرحلة صعبة كهذه التي نمر بها، لا أن يترك الأردنيين عرضة لـ”بروباغندا” الإعلام الخارجي، والموجه تحديدا لاستهداف وعي الأردنيين وثقتهم بدولتهم وقيادتهم.
الواضح أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق مستشاريه مصرون على إتمام صفقتهم، مع أن سياسيين يرون أنه وبعد اتخاذ قرارات نقل السفارة الأميركية والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ووقف دعم واشنطن لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لم يبق إلا بند اللاجئين والحدود في مسار التصفية لكامل القضية الفلسطينية.
هذه التغييرات المتسارعة والتي لم يتبق منها سوى توقيت الإعلان عن المقترح الأميركي المعروف بـ”صفقة القرن” تزيد من حجم المسؤولية على الماكينة الدبلوماسية والسياسية للأردن، في تجاهيها الداخلي والخارجي، ويرفع من ضرورة أن تبقي الحكومة أدواتها في حالة تواصل دائم، وتوضيح للموقف الرسمي الأردني، وحشد الدعم خلفه، وأن تتوقف حالياً عن أي سلوكات أو توجهات أو قرارات استفزازية تجاه المواطنين، وتحديداً الاقتصادية منها، لا سيما وأن الاقتراب من شهر رمضان يرفع من سقف التوقعات بعودة حراك رمضان، وعندها نصبح في مهمة الاشتباك سلبيًا مع الشارع، والافتقاد لرصيد نحن أحوج ما نكون إليه في هذا التوقيت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock