أفكار ومواقف

الملك في “أبو جبارة”

منذ أيام، فوجئ رواد مطعم أبو جبارة الذي يقدم أكثر الأكلات شعبية وأقلها كلفة، “الفول والفلافل والحمص”، بقدوم الملك عبدالله الثاني والملكة رانيا وأفراد العائلة لتناول وجبة الغداء في المطعم. وتناقلت مواقع الكترونية مقاطع فيديو تُظهر الملك وأفراد أسرته حول إحدى طاولات المطعم إلى جانب عائلات أخرى، من دون أي مظاهر أمنية لافتة. وقبل ذلك بأسابيع، كان الملك يتناول الغداء في يوم العطلة الأسبوعية بمطعم في شارع الرينبو يقدم مأكولات أردنية تقليدية.
بالنسبة للأغلبية من المواطنين، قد لا يبدو الأمر مستغربا؛ فقد دأب الملك على هذا التقليد منذ توليه الحكم. والأمر لا يقتصر على الظهور المفاجئ في المطاعم، وإنما في الجولات التنكرية أو المفاجِئة على الدوائر الرسمية. ويذكّر هذا السلوك بمواقف كثيرة مشابهة للملك الراحل الحسين، ما يزال الكثير من المواطنين يحفظونها في ذاكرتهم.
قد تبدو مثل هذه الأمور تفاصيل صغيرة وشخصية لا تستحق التوقف عندها، لكن في زمن الربيع العربي ثمة دلالات لا يمكن تجاهلها، لا بل وقبل الربيع العربي أيضا. فقد كان وما يزال انتقال زعيم عربي من موقع إلى آخر يستدعي إغلاق شوارع العاصمة كلها، وفي أحيان كثيرة فرض حالة حظر التجول على المواطنين، وتعطيل مصالحهم. أما في زمن الثورات الشعبية على الأنظمة، فلم نعد نتخيل رؤية موكب حاكم عربي يسير في شارع عام، فما بالك في تناول الطعام إلى جانبه في أحد المطاعم!
في حالة الملك، أعتقد أن خطوات من هذا النوع تساعد في خلق انطباع إيجابي عن حالة الاستقرار في الأردن، وتبعث برسائل للداخل والخارج مؤداها أن الأردن بلد آمن إلى الحد الذي يسمح للملك وأفراد عائلته بالتجول في شوارعه بحرية، وتناول الغداء في أكثر مطاعمه اكتظاظا بالزبائن، ومن دون أي ترتيبات مسبقة أو إجراءات أمنية استثنائية.
مثل هذه الرسائل مفيدة للأردن في هذه المرحلة التي يواجه فيها تحديات صعبة على المستويين السياسي والاقتصادي، وتوقعات خارجية متشائمة لهذا العام، وتقارير متواترة في وسائل إعلام عالمية ترشحه ليكون التالي على قائمة الفوضى بعد سورية.
من ناحية ثانية، مثل هذه النشاطات “اللامنهجية” للملك تعكس شغفه بممارسة حياة طبيعية مثل سائر الناس العاديين؛ يتنقل من دون قيود أمنية وترتيبات مسبقة، ويمارس هواياته الشخصية متى شاء، يذهب للسينما في أي مساء رغب، ويلتقي من يريد من الأشخاص. ذلك كله لا يتوفر للملك الآن، ففي العشرية الأولى من حكمه وجد الملك نفسه غارقا في كل تفاصيل الحكم، وفي بعض الأحيان مارس السلطة نيابة عن حكومته بدل أن يمارس السلطة من خلالها كما ينص الدستور.
أعتقد أن الملك لم يعد راغبا في استمرار هذا النمط من ممارسة الحكم، فقد جلب له متاعب كثيرة، ورتب عليه مسؤوليات هي في الأصل من اختصاص الحكومات والسلطات الأخرى في الدولة.
أعتقد أن الملك صار يؤمن أكثر من أي وقت مضى بالحاجة إلى إجراء مراجعة لهذا النهج، وهو ما يفسر اهتمامه وحرصه على إنجاز خطة الإصلاح السياسي التي وفر الربيع العربي فرصة طالما تمناها لقيام ملكية دستورية على غرار الملكيات في الديمقراطيات الغربية العريقة، ملكية يكون العرش الهاشمي فيها فوق الجميع وللجميع، والضامن لاستقرار المملكة ووحدتها وديمومتها.
عند هذه المرحلة يستطيع الملك أن يتحلل من واجبات ومهمات كثيرة، وأن يترك شأن إدارة السلطة التنفيذية لحكومات برلمانية تحظى بثقة الأغلبية؛ عندها فقط سيجد الوقت الكافي لممارسة حياة طبيعية.
الإصلاح إذن ليس مصلحة للشعب فقط، بل للملك أيضا.

[email protected]

تعليق واحد

  1. أبلغت في هذا الرأي كسائر مقالاتك
    انك يا سيد فهد رمز للكاتب الصحفي والمحلل السياسي المحنك والمحب لوطنه ونحن في هذا الوقت بأمس الحاجة لأمثالك في قيادة مسيرة الإعلام الإصلاحي، بوركت وبورك قلمك

  2. تحليل مختصر
    شكرا على المقال الجميل بس بالنسبة لمطعم ابو جبارة اسعارو ليست قليلة الكلفة
    صحن حمص+5 حبات فلافل+كاس شاي بنعنع=5 دنانير!

  3. رأي شخصي
    والله يا استاذ فهد ان جلالة سيدنا حبه محفور في قلوبنا فمن من زعماء العالم يشارك شعبه كما يشارك سيدنا حياتنا وهمومنا فـآذا كان مصيبة العالم بحكامها فان عزنا وقوتنا بوجود ابا الحسين قائدا لنا فاللهم احفظ وطننا واحفظ سيدنا ورمز عزتنا ابا الحسين حفظه الله

  4. اقلها كلفة
    (اقلها كلفة) مين حكالك الوجبة حمص وفول عند ابو جبارة باكثر من كيلو ونص تكلفة لحم بلدي يا استاذ فهد

  5. هي رسالة
    مقال ممتاز و شكرا للكاتب.
    فعلا المطعم ليس رخيصا نسبيا البتة كما قال فارس و لكنها لفتة تواضع جميلة.

  6. عين الحقيقة
    حينما ذكر الكاتب فهد الحيطان بأن فوجيء رواد مطعم أبو جبارة بقدوم الملك عبد اله الثاني والملكة رانية وأفراد العائلة لتناول وجبة الغذاء، فان هكذا مسلك فيه الحكمة والتواضع ، والشعور بالأمان ، وليس غريبا على الأسرة الهاشمية ، وكم من المرات ، كنت ألتقي ، على الاشارات الضوئية ، بجلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال وهو يقود مركبنه بنفسه . . فلنحمد الله على ما أكرمنا من الاستقرار ،والشعور بالطمأنينة في هذا البلد العصي على الطامعين به .

  7. الأقلّ كلفة
    بسّ الحمص والفول والفلافل عند أبو جبارة ليست الأكلة الأقلّ كلفة يا أستاز ……!!!!

  8. ابو جبارة
    والله يا استاذ فهد صحن الحمص عند صاحبك ابو جبارة بجوز يتجاوز الثلاث دنانير ، هذا اسقاط استاذ فهد 80% من الشعب الأردني ما بقدر يفوت مطعم جبارة

  9. أبو جبارة
    كلام جميل جدا سيد فهد . وجميل جدا أن نرى هذا التواضع من جلالة سيدنا لأن التواضع من أبرز أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام ومن شيم العظماء .
    لكن أسعاره مرتفعة بشكل جنوني وليست في متناول الجميع اذا ماقورنت بمطاعم لنفس المادة اما في حال مطعم أبو جبارة لايمكن أن تتم المقارنة الي بمطاعم الوجبات السريعة المنتشررة في كافة مناطق الاردن وليس مطاعم الحمص والفول والفلافل والتي لا تتجاوز كلفة الوجبة فيها عن دينار ونصف والكل يعلم هذا

  10. صح لسانك…. وبورك قلمك
    الجميع ابتعد عن جوهر الموضوع…. الهدف من المقال هو دلالات هذه الزياره في الزمن الحالي, والتي تؤكد الروابط القويه بين القائد وشعبه المحب والمخلص لهذا الملك الرائع…. وهذا امر نحسد عليه من كل العالم. لهذا المطلوب هنا الالتفاف حول الرايه الهاشميه لاتمام مسيرة الاصلاح…. ودمتم

  11. الملك في مطعم ابو جبارة
    الأستاذ فهد الخيطان المبدع دائما اعطى مقاله انطباعا بأن سيدنا ذهب الى المطعم بسبب الربيع العربي وانا أظن ان هذا ليس مقصد الأستاذ فهد لأننا في الأردن تعودنا على هذه الأمور والملك قام بهذه الأمور قبل الربيع العربي وقام بها ملكنا الراحل ابو عبد الله رحمه الله شكرا لك استاذ فهد وحفظ الله ملكنا وبلدنا من كل سوء

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock