منوعات

الملل تضخيم للأمور الصغيرة.. لكنه من حقائق الحياة

تغريد الرشق


    عمان – “اذا اردت التمتع بحياة عائلية سعيدة، عليك بالصبر والحكمة،‏ وان لا تدع‏ صغائر الأمور تذهب صوابك وتسيطر على تفكيرك‏.‏ فمن دون شك أن الحياة الاسرية مليئة بالصعوبات التي يجب علينا أن نتعامل معها‏. وان تركت نفسك للقلق بشأن الأمور الصغيرة‏، فسينتهي بك الأمر إلى الإصابة بانهيار عصبي”.


    بهذه المقدمة استهل د‏.‏ ريتشارد كارلسون كتابه “لاتهتم بصغائر الأمور مع أسرتك”‏ الذي حقق مبيعات خيالية في العالم لأنه يتحدث فيه عن المناخ العاطفي الذي يجب ان يسود البيت للابتعاد عن الوقوع في فخ الملل او المشاكل والكآبة.


    يتسرُّب الملل إلى الحياة اليومية رغما عنا، ولا يقتصر هذا على العاطلين عن العمل، بل يصل الملل إلى نفوس اكثر الأشخاص انشغالا. فتجد الشخص الذي يعمل طوال النهار ويذهب لممارسة الرياضة لاحقا ثم يخرج يوميا للسهر يشكي من الملل ايضا. يقول فارس كمال: “لا اجد 5 دقائق من نهاري اعتبرها فراغ. وبالرغم من هذا اشعر بملل قاتل من الروتين في العمل والحياة اليومية. ويضيف: “لا اؤمن بأن الشعور بالملل يقتصر على “فاضيين الأشغال” بل حتى المشغولين جدا يعانون منه”.   


     ويؤكد فارس على ان هذا الشعور يراود جميع المحيطين به. ففي جلساته مع اقاربه واصدقائه يدور الحوار في الغالب حول هذا، ويقول: “ربما يكون للأمر علاقة بالسن. فالأطفال يستمتعوا بكل امور الحياة، بينما نحن الكبار الذين جربنا كل شيء لم يعد هناك ما يثير اهتمامنا بالمعنى الحقيقي. قد نفرح لحدث عابر او مناسبة معينة، ولكنه شعور وقتي لا يلبث ان يزول”. 


    من جانب اخر يربط محمد حسان بين الملل والحياة الزوجية، ملقيا اللوم على الزوجة. يقول: “يعود سبب الملل في الحياة الزوجية بالدرجة الأولى إلى الزوجة التي ما إن تنجب الأطفال وتزداد المسؤوليات حتى تنصرف عن زوجها وعن مشاركته أفراحه وأتراحه ليكون في المرتبة الثانية أو الثالثة في حياتها”. “ويضيف شاكيا: “يبدأ الزوج بتعويض هذا الجزء الكبير من الحب الذي فقده بالاتجاه إلى أصدقائه أو إلى أوراقه ومكتبه وكتبه ليجد نفسه التي يفقدها. وربما يفكَر كثيرا في الزواج من أخرى حتى يعوض هذا الحب مع امرأة أخرى تمنحه الحب والاهتمام ليكون هو الأول في حياتها”.


     لكن اليس من الممكن ان تعود الأمور التي ذكرها محمد للحدوث مع الزوجة الجديدة؟


سلوى يونس تؤكد كلام محمد بقولها إن المرأة هي الوحيدة التي تستطيع علاج الملل في حياة زوجها، بمشاركته اهتماماته وهواياته وبأن لا تجعل مسؤوليات الأبناء تؤثر على منحه حقه من الحب والسعادة التي كان ينالها أول عهده بها. تقول: “رغم أنني متزوجة منذ 15 عاما، إلا أن الملل الزوجي لم يعرف طريقه إلى منزلي، وذلك لأن الزوجة الذكية تستطيع تجنب وقوع الملل الزوجي، فهي تمتلك جميع مقومات التغيير والتجديد في مظهرها، واختيار الوقت المناسب للحديث مع الزوج، والتفاهم في جميع الأمور التي تخصهم”.


فإذا منح الزوج والزوجة وقتا لأسرتهما بعيدًا عن الأعباء في المنزل والعمل، فإن هذا الوقت من شأنه أن يتيح الفرصة لقيام حوار ثقافي أو اجتماعي مشترك يقرب المسافات بينهما، ويقلص الفجوة التي تنغص عليهما معيشتهم. ويجب أن يعتني الزوجان بالاستقرار النفسي عن طريق فهم كل واحد منهما لطبيعة الآخر، وتقدير مشاعره، وتحقيق رغباته، وإشباع احتياجاته العاطفية والنفسية والاجتماعية. وإذا تحققت هذه الأمور فلا مجال لوجود الملل الزوجي بينهما.


    بالنسبة للأطفال والذين يعانون الملل ايضا ولو بأشكال مختلفة يقول د. كارلسون في كتابه ان سماع عبارات مثل‏ “مللت‏” أو ليس هناك ما أفعله‏” من الأبناء،‏ هو أمر يعتبر من أسوأ الأمور لأي أب أو أم‏، بخاصة للذين يحاولون تقديم خبرات وأنشطة‏ لأطفالهم. وبحسب كارلسون فإن هؤلاء الأطفال الحائزين على فرص كثيرة وانشطة متنوعة هم الأكثر عرضة للسأم‏، ويعود هذا لأن هؤلاء الأطفال اعتادوا التسلية في كل لحظة يعيشونها وهم ينتقلون من نشاط إلى آخر بعد وقت قصير جدا‏، كما أن جدول يومهم يكون مكتظا بالأنشطة مثلهم مثل أبويهم‏، واذا توقف لديهم أي نشاط يشعرون بالسأم‏ وييأسون من ايجاد شيء يمكنهم القيام به‏.


      ويطرح كارلسون حلولا واجابات للأهل عند تعرضهم لسماع هكذا عبارات. مثلا عندما يقول الطفل “إني مللت” يجيبه الوالد: “عظيم، فليصبك الملل‏” أو‏ “من الأفضل لك ان تصاب بالملل احيانا”. والحل ليس في إعطائهم أفكارا للأشياء التي يفعلونها لكي يتخلصوا من السأم، لأنهم غالبا سوف يرفضون أفكارنا كلية‏، والحل الرائع هو ان نبعد عنهم الاعتقاد بأننا نحن المسؤولين عن تسليتهم بشكل متواصل.‏‏ ولهذا الأسلوب فائدة مستترة،‏وهي اننا سوف نشجع الابتكار في نفوس الاطفال عن طريق إرغامهم على اكتشاف الاشياء بأنفسهم‏‏. واخيرا عليهم أن يتعلموا أنه لاضرر الاصابة بالسأم لبعض الوقت.


     ويتناول د. كارلسون ‏التقلبات المزاجية باعتبارها احدى حقائق الحياة الحتمية والغامضة والباعثة على الضيق التي يجب ان نتعامل معها.‏ فنظرتنا إلى الحياة تتغير مع تغير حالاتنا المزاجية، وبشكل عام تبدو الحياة رائعة عندما نكون في حالة مزاجية جيدة. و‏على الرغم من العيوب والمشاكل الموجودة حولنا، فإننا نشعر بقبول تجاهها، كما اننا نتقبل حياتنا كما هي عليه‏ ونحاول بقدر الامكان أن نستمتع بها ولاتبدو المشكلات وكأنها نهاية العالم، ونتناسى المضايقات اليومية التي يجب التعامل معها، ونتحلى بروح الدعابة والاستفادة من هبة الحياة الى ابعد مدى‏.‏ اما عندما نكون في حالة مزاجية سيئة، فإننا نجد انفسنا ثائرين‏ غاضبين بدلا من ان نقبل حياتنا على علاتها، ونميل  إلى التذمر والشكوى،‏ وننظر الى كل شيء كأنه عبء ثقيل‏.‏


    خلاصة القول إننا نضخم الأمور الصغيرة بشكل مفرط،‏‏ ولذلك ينصح د. كارلسون أن نضع نصب أعيننا تغيير حالتنا المزاجية من الأمور المسلم بها في الحياة‏ والايمان بحتمية تعرضنا لحالات مزاجية سيئة، بمعنى ان نتعلم ان نلقي باللوم على حالتنا المزاجية بدلا من ان نلقيها على حياتنا وأسرتنا، لأنه وبمجرد ان تتغير حالتنا المزاجية، يصبح لدينا القدرة على تخطي الأشياء السيئة بيسر.

لا يجوز دون الحصول على إذن خطي من الناشر استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كلياً أو جزئياً بأي شكل وأي وسيلة تحت طائلة المسائلة القانونية. ويسمح استخدام المواد الإخبارية فقط شريطة ذكر الغد بوصفها المصدر.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock