أفكار ومواقف

المملكة الرابعة: مفهوما القوة والهشاشة

عشرون عاما على الأردن الجديد مرت في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني، هناك الكثير من الكلام المهم الذي لا ينتهي عن الانجازات التي حققها الملك وكلام لا يقل اهمية عن التحديات التي واجهها الملك والمجتمع والدولة، عبر عقدين من الزمن تغير فيهما العالم اكثر من مرة، وانقلبت المنطقة رأسا على عقب مرات عدة، ما يستحق ان نقف امامه مطولا في هذه المناسبة هو الأردن وسط معادلة الهشاشة والقوة في الشرق الاوسط القديم والجديد.
ان نظرة اكثر عمقا لتاريخ التحولات التي شهدتها المنطقة تمنحنا فرصة لمراجعة مفهومي القوة والهشاشة في هذا الاقليم من العالم، فالدولة الصغيرة محدودة الموارد كما توصف دوما لم تستطع الحفاظ على كينونتها فقط بل تجاوزت ذلك الى استيعاب ازمات الاقليم ومحنه ثم اعادة تعريف السيادة الوطنية والوقوف في وجه الاشكال الجديدة من الهيمنة ومشاريع التصفية والالحاق على طريق استكمال اعادة تشكيل المنطقة.
لقد اثبتت احداث الشرق الاوسط وحروبه، ان المفهوم التقليدي للقوة والثروة الى زوال؛ فتراكم الثروات الطائلة المكدسة وصفقات التسليح والجيوش التي تستعرض على الشاشات، لم تكن قادرة على حماية الاوطان والمجتمعات ولم تكن قادرة على حماية السيادة الوطنية او استقلال القرار الوطني في اللحظات التي تختبر فيها الإرادة الوطنية.
المفارقة الأردنية في العشرين عاما الماضية تتمثل في اوضح صورها في الثراء السياسي والاستراتيجي، اي الرأس مال السياسي الذي راكمته الادارة العليا للدولة ممثلة بالملك وبالمجتمع الأردني، سواء في علاقات الداخل بالداخل او العلاقات الخارجية، ورغم كل ما يقال عن تراجع الثقة بالحكومات الأردنية واسترخاء الطبقة السياسية في السلطة واحيانا ترهلها، فإنه لم تتوفر في سنوات هذين العقدين حالة من التوافق الوطني على قيم النظام السياسي واهدافه في الاقليم بطوله وعرضه مثلما حصل في هذا البلد، ولم تقدم دولة في المنطقة ممارسة سياسية واستراتيجية مقنعة للعالم وتحظى باحترامه واعجابه مثلما مارس الأردن في كل اللحظات العاصفة والايام الطويلة التي شهدها الشرق الاوسط.
الامر الذي يؤخذ بعين الاعتبار كيف طورت هذه التحديات المنظور الأردني لتماسك الدولة وقدرتها على حماية المصالح الوطنية، وكيف انعكس هذا التراكم في وعي الناس ووجدانهم ؛ فلقد ابقى الناس في هذه البلاد ثقتهم وتوقعاتهم بالنظام السياسي وبالملك وبالمؤسسة العسكرية فوق كل الاعتبارات؛ اي في المحصلة نمط آخر من الثقة العامة التي يصونها المجتمع ويحرسها، في المقابل كيف طور النظام السياسي حساسية خاصة في ادارة تحولات المجتمع لا يجزم احد ان كل تلك التحولات مرت بدون اخفاقات، لكن الثابت فيها حماية كرامة الناس وسد حاجاتهم الاساسية والابقاء على قدرة المجتمع على اسناد قوة الدولة اي ان المجتمع بقي مصدر القوة ولم تمارس عليه القوة والاستقواء، فالمعادلة الصحية في مسار بناء الدول المعاصرة تتلخص في مجتمع قوي يعني دولة قوية، يمكن في لحظة ان تهتز الدولة ولكن لا يجب ان تتعمق هشاشة المجتمع لأنه المصدر الاقوى والاغنى لقوة الدولة.
فخ الهشاشة نال الكثير من مجتمعات الشرق الاوسط وغيره حينما خسرت النظم السياسية مجتمعاتها؛ والمثال الواضح ما حدث في العراق وما يحدث في سورية وليبيا؛ دول ليست فقيرة ومستقرة نسبيا تحولت الى دول هشة، كانت هذه هي الأسطورة التي سيرت النهج الذي اتبع بعد الإطاحة بصدام حسين في العراق، وهدم كل بقايا الدولة العراقية السابقة ونشر مستويات عنف مروعة ما تزال الى اليوم. تكرر ذلك باستخدام نفس الوصفة مع العقيد القذافي في ليبيا، الرئيس مبارك في مصر، الرئيس موبوتو في زائير، الحكم القمعي في جنوب السودان وصولا الى المستقبل الغامض في السودان والجزائر اليوم.
ابرز معالم الطريق الى الهشاشة تبدو في فقدان الشرعية والكرامة والقيم المشتركة بين الناس والقيادة عندما تفتقد الدولة للشرعية في أعين مواطنيها تبدأ رحلة الهشاشة والفوضى والضعف. المملكة الأردنية الرابعة تقدم معنى جديدا ومختلفا لمفاهيم القوة والهشاشة في عالم يتغير بسرعة.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock