فكر وأديان

المنزلة بين المنزلتين

د. أحمد ياسين القرالة

المقصود بهذه المنزلة هي منزلة مرتكب الكبيرة فهو في منزلة وسطى تتجاذبها منزلتان، منزلة الكفر ومنزلة الإيمان، فليست منزلته منزلةَ الكافر، ولا منزلةَ المؤمن، بل له منزلة بينهما، كما يقول القاضي عبدالجبار شارح أصول المعتزلة.
وأول مَن بدأ هذا القول هو واصل بن عطاء الذي كان جالساً في مجلس الحسن البصري، فسئل الحسنُ عن مرتكب الكبيرة أمؤمن هو أم كافر؟ فبادر واصل بن عطاء للإجابة عن السؤال بأنه في منزلة بين منزلتين، منزلةِ الإيمان التي قال بها المرجئة الذين ذهبوا إلى أنه لا يضر من الإيمان ذنبٌ، ومنزلةِ الكفر التي ذهب إليها الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة. ومن تلك اللحظة اعتزل واصل مجلسَ الحسن البصري واتخذ له مجلساً خاصاً به، وكانت تلك بداية نشأة فرقة المعتزلة وسبب تسميتها.
ولا شك أن القول بهذه المرتبة كان تقدماً هائلاً في التفكير الإسلامي، وخطوة رائدة في تقديم الحلول وتنويع البدائل، حيث غادرت مربع الحلول الثنائية التي تحصر الأمور بخيارين لا ثالث لهما، فجاءت هذه النظرية بثلاثية الحلول والبدائل، والمنازل الوسطى بين المراتب والمنازل.
ولم يقتصر أثر هذه القسمة على المدرسة الفكرية والعقدية للمعتزلة، وإنما تسللت إلى دائرة الفقه الإسلامي، فقد استفاد منها الحنفية في مجالات كثيرة وفي مقدمة ذلك تصنيفهم للعقود من حيث الصحة، فقد خرجوا من دائرة ثنائية العقود التي يقول بها جمهور المذاهب التي تجعل العقد إما صحيحاً معتبراً شرعاً تترتب عليه جميع آثاره وأحكامه، وهو العقد الذي توفرت فيه أركانه وشروطه، وإما باطلاً لا يترتب عليه أثر فوجوده وعدمه سواء، وهو العقد الذي اختل فيه شرط من شروطه، حيث ذهب الحنفية إلى القسمة الثلاثية، وهي الصحيح والباطل، وبينهما الفاسد الذي هو في منزلة وسطى بينهما، فلا هو بالصحيح ولا هو بالباطل، وهو فقه حسن كما وصفه القرافي الفقيه المالكي، وصناعة فقهية محكمة كما عبر عنه السنهوري.
وليس المقصود من كلامنا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين التي يقول بها المعتزلة ولا الدعوة إلى إحياء فكرهم، وإنما المقصود هو الاستفادة من طريقة التفكير التي أدت إلى تلك النتائج، وأساليب الابتكار التي تخلق الحلول الإبداعية، وتؤدي إلى تطوير البدائل التي تسمح باستيعاب الحالات المختلفة والوقائع المتجددة.
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى الخروج من الثنائيات القطبية والحلول الحصرية التي عقَّدت حياتنا وأخلَّت بتوازننا وشقَّت علينا وضيَّقت سبل تطورنا وتقدمنا!
فليس مِن شيء يشق على الأمّة ويخرجها عن وسطيتها واعتدالها كالحلول الأحادية أو الحصرية الصارمة التي تلغي البدائل المعقولة والتصورات الممكنة والاحتمالات المعتبرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock