أفكار ومواقف

المنطقة الآمنة شمال سورية

قرار الولايات المتحدة الأميركية بالإبقاء على 200 – 400 جندي في منطقة شرق الفرات ومنطقة التنف شكل تطوراً مهماً يمكن اعتباره ضمانة تقدمها إدارة الرئيس دونالد ترامب لحليفها الأساسي في المشهد السوري وهو قوات سورية الديمقراطية، وأن الوجود العسكري الأميركي على تواضعه سيمنع حدوث صدام مع القوات التركية التي ما تزال “تلوح” برغبتها القيام بعمل عسكري في منطقة شرق الفرات.
تركيا تدرك بأن أي وجود للقوات الكردية هو تهديد مباشر للأمن القومي التركي، والفشل في القضاء عليها وليس فقط الحد من تأثيرها، هو تحد للرئيس رجب طيب أردوغان ولمشروعه السياسي، ذلك أن الهاجس الأمني والتحديات الكردية كانت منطلق التحول الاستراتيجي في الموقف التركي والانخراط في مسار آستانا والقبول بمناطق خفض التصعيد والتنسيق مع موسكو وطهران لاحقاً.
القرار الأميركي بإبقاء هذا الوجود العسكري المتواضع شكل حالة من الارتياح والحماسة لدى الأوروبيين وخصوصا الفرنسيين، وعزز فكرة إنشاء قوة مشتركة يتراوح عديدها من 1500 إلى 2000 جندي قد تساهم في المنطقة الآمنة المنوي إقامتها، وهو أمر مريح بالنسبة للأكراد ويخفف من وطأة خيبة الأمل في الحليف الأميركي الذي ما يزال قراره بالانسحاب يخضع لحسابات عديدة وموضع تشكيك بالرغم من أنه لا يخرج عن سياقات رؤية الرئيس ترامب ومقاربته للأزمة السورية التي اختلفت كلياً مع توجهات إدارة باراك أوباما.
المشاركة الأوروبية في المنطقة الآمنة مرفوضة تماماً من أنقره التي تصر على أن تكون هذه المنطقة تحت سيطرتها بعمق 32 كم وطول 460 كم وتشمل ثلاث بلدات وقرى من ثلاث محافظات سورية هي حلب والرقة والحسكة.
الموقف الروسي يسعى لتوظيف هذه التطورات من خلال إقناع تركيا بإعادة إحياء اتفاق أضنه الذي تم إبرامه بتاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) 1998 بوساطة مصرية وايرانية بين أنقره ودمشق على وقع أزمة سياسية عميقة بلغت ذروتها بحشود عسكرية تركية حينذاك؛ حيث أعطى الاتفاق لتركيا الحق في ملاحقة الأكراد الذين يستهدفون أمنها والتعاون مع سورية في مكافحة الإرهاب وتوقف دمشق عن دعم حزب العمال الكردستاني وإخراج زعيمه عبدالله أوجلان. وقد طرح لافروف وزير الخارجية الروسي قبل أيام فكرة نشر شرطة عسكرية روسية في المنطقة الآمنة شريطة أن تحصل تركيا على موافقة الحكومة السورية أولاً قبل إقامه هذه المنطقة، وأن أي قرار يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح دمشق وأنقرة بعين الاعتبار.
من الواضح أن هناك سباقا أميركيا روسيا على فرض طبيعة المنطقة الآمنة، ومن الواضح أن تركيا لا تريد أن تبتعد كثيراً عن المقاربتين الاميركية والروسية، ولكنها ترفض تقديم تنازلات خاصة في ظل تزايد الحديث عن إمكانية مشاركة القوات الأوروبية في التحالف الدولي في هذه المنطقة، في حين أن موسكو وطهران تعملان على خط الوساطة بشكل حثيث بين أنقره ودمشق وإيجاد صيغه للتفاهم بين قوات سورية الديمقراطية والحكومة السورية. ولا يمكن إخراج زيارة الرئيس السوري بشار الأسد المفاجئة لطهران يوم الاثنين الماضي عن سياق التطورات في الشمال السوري والتعاطي مع قرار الانسحاب الأميركي والحديث عن قرب حسم مسألة إدلب.
كل المؤشرات تعطي انطباعاً بأن كل القوى الدولية والإقليمية لا ترغب في خيار التصعيد العسكري وإن كان القرار الأميركي غير الواضح قد يفتح الشمال السوري على احتمالات عديدة؛ لكن المؤكد أن موقف تركيا مطلق برفض قيام أي صيغة كردية على حدودها مع سورية، وهو ما يعزز فكرة إعادة التموضع التركي بشكل كامل في مقاربتها للازمة السورية بما فيها التنسيق مع الحكومة السورية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock