فكر وأديان

المنهج الوسط في الاعتقاد

ابتداء أعتذر عن عرض هذا الموضوع، فأعلم أن عوام الناس يعبدون الله وفق أصول هذا الدين العظيم، متمسكين بأركانه، الإيمانية والإسلامية، فغالب المسلمين يعتقدون بإيمانهم بالله إلها واحدا متفردا بالخلق والقصد، فلا معبود بحق إلا هو سبحانه، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا التي لا يشبهه فيها أحد، دون ذلك التفصيل الذي طرأ على الأمة بعد نشوء الفرق الإسلامية، والتعمق في بحث مسائل ربما صرفت المسلمين عن وحدتهم، وعن مقصدهم الأصلي في عبادة الله وتعظيمه، ورضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب وهو يقول: اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز، يقصد بساطته والبعد عن التعقيد الذي ربما شتت أذهان كثيرين من المسلمين.
كانت هناك سجالات ومعاتبات على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوعين الماضيين، تدور حول مصطلح (أهل السنة)، والجدل بشأنه، ولا أريد أن أكون طرفا في الخلاف، وأرجو الله أن يشرح صدور الجميع، خاصة الموجِّهين، إلى ما هو منهج وسط في هذا الشأن.
هناك من يحتكر مصطلح أهل السنة للسلف، وبناء عليه يخرج الأشاعرة والماتريدية، وربما يبدّعهم ويضللهم، وقد تتطور الأمور إلى إخراجهم من دائرة الإسلام، وعلى العكس من ذلك، هناك من يتعصب لمصطلح أهل السنة، ويخرج السلفية منهم، ويتطور الأمر إلى نعتهم بالمجسمة والمشبهة وغيرها من المصطلحات.
ولا أشك قيد أنملة أن هذه الأمور هي من فرعيات العقيدة، بمعنى أن الاختلاف فيها جائز ممكن، ولا يمس جوهر الاعتقاد، فالجوهر هو وجود إله واحد، أما البحث في بعض صفاته وكيفية فهمها، فهي فرعيات لا تؤثر على أصل جوهر الإيمان، ومن هنا أقول إن المنهج الوسط هنا هو عد هذه المذاهب كلها من أهل السنة، فالسلف يثبتون صفات الله التي وردت في آيات الصفات وأحاديثها، ومع هذا الإثبات ينفون عنه الشبه، فقد نص القرآن على أنه: “ليس كمثله شيء”، فحقيقة المعنى لا يعلمها إلا الله تعالى، كما قال الإمام مالك وشيخه ربيعة: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وما ذُكِر هنا ينسحب على سائر الصفات الأخرى من يد وقدم وأصبع ومجيء ونزول وعين وغيرها. أما الخلف من أشاعرة وماتريدية فيؤولون، بمعنى أن هذه الصفات لها معان أخرى يمكن صرف ظاهر اللفظ إليها، وهو أسلوب في اللغة العربية التي نزل القرآن بها، فاليد قدرة ونعمة، والعين عناية، وهكذا.
والسؤال هنا: هل من الصعب أن نعد كلا الطرفين من أهل السنة!؟ وننهي بذلك جدلا وتعصبا وشرخا في جسد الأمة الإسلامية يراد له أن يستمر، وربما تغذيه جهات كثيرة لا تريد للمسلمين أن يتوحدوا، ولا أن يرتبوا أولوياتهم، ولعل واقعنا السياسي البئيس وحده يحثنا على دفن كل أسباب الفرقة، فكيف ونحن نرى أسبابا كثيرة تقسمنا وتسبب شروخا فكرية ومذهبية واجتماعية وغيرها!؟
لا أشك أبدا أن هناك جهات تموّل مثل هذه الانقسامات، وتدعو الشباب على وجه التحديد إلى التعصب والانسلاخ حتى من قيم الأخوّة الإسلامية، بل تشجع على انتهاك حرمات المسلم والنيل من عرضه بتشويه سمعته والتشكيك في معتقده وكل ما ينبني على توجهه.
والغريب أننا كنا نعيب قديما على بعض أتباع السلفية في تشددهم في تبديع وتضليل كل من لا يتبع منهجهم، وإذا ببعض أتباع المذهب الآخر على النقيض تماما، وربما ليسوا أقل منهم حدة في إخراج أهل السلف من دائرة أهل السنة، ويسمونهم بالوهابية، وينالون من علماء معتبرين لهم قدرهم ووزنهم عن المسلمين، كشيخ الإسلام ابن تيمية مثلا.
هذه أمراض التعصب التي يغذيها أصحاب أهواء، والمطلوب أن نعد هذه المذاهب العقدية كلها من أهل السنة، فمن أراد اتباع مذهب منها فله ذلك، تماما كالمذاهب الفقهية والمدارس الفكرية، ولا ضير في ذلك أبدا، بل هو بحبوحة هذا الدين الذي أباح الله فيه التنوع حتى في قراءة القرآن الذي نزل على سبعة أحرف، فمن باب أولى اختلاف الفهم الذي ولّد ثروة هائلة فكرية وفقهية، وفي هذا توسعة على المسلمين في شتى مناحي حياتهم، وفق ضوابط عامة للفهم حتى لا يتعارض الاجتهاد فيها مع أصول هذا الدين العظيم.
نصيحة أوجهها إلى الهيئات والمؤسسات ألا يزيدوا المسلمين فرقة وتشرذما، بل نبني قواعد الاحترام وأدب الاختلاف، ونحن مطالبون بالحوار مع غيرنا، فمن باب أولى أن يستوعب بعضنا بعضا، وأن يعذر بعضنا بعضا، ونجتمع على أصول هذا الدين، وما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock