أفكار ومواقف

المهمشون في السياسة والتنمية

احتكار مصادر القوة السياسية والقوة الاقتصادية من قبل فئات محددة من  المجتمع ظاهرة عالمية، لكن تطابق جغرافيا  التهميش السياسي مع تضاريس التهميش التنموي حالة شاذة، فيما تحاول الفئات المحتكرة سياسيا واقتصاديا إضفاء صورة شكلية زائفة على المجتمع بأنه المسيطر. هنا تتمثل الظاهرة الأكثر شذوذا، ومثالها في الحالة الأردنية لا يمكن أنكاره.


ملخص هذه الظاهرة في أن المجتمعات المحلية الريفية أو الفقيرة وهي الأكثر ممارسة للحياة السياسية الشكلية، كما تبدو في مواسم الانتخابات وفي أشكال التعبير السياسي الأولية، وفي المقابل نجد هذه المجتمعات هي الأقل تمثيلاً في الحياة السياسية العامة، والأقل حضوراً في التأثير في صناعة القرارات والسياسات وبالتالي فان قضاياها السياسية والتنموية لا ترتقي إلى مستوى الأولويات في إدارة الحياة العامة.


في الأردن تكاد أن تتضاعف نسب المشاركة في الانتخابات بالمقارنة بين المحافظات ودوائر العاصمة ويتكرر أحياناً المؤشر نفسه بالمقارنة بين بعض الأحياء الفقيرة والأحياء الأخرى في العاصمة نفسها، في المغرب يصفون المشهد بعزوف جماعي عن المشاركة السياسية التي لم  تصل إلا إلى 25% في الإنتخابات الأخيرة، بينما مايزال الفقراء يذهبون إلى صناديق الاقتراع وينتظرون المطر، وفي اليمن يرددون أن اليمنيين الفقراء تزوجوا على عجل من الديمقراطية ويبدو انه زواج للأشباح وكذبة رمادية نرى كيف تحصد ثمارها المرة بالحروب الاهلية والفساد.


لأن الفقراء مهمشون ولا يتمتعون بكامل العضوية في الجماعة، ولديهم إحساس عميق بالحرمان من النفوذ والسلطة، وعدم الشعور بالمشاركة في رسم السياسات وصنع القرار، فان الكثير من الفرضيات النظرية التي تصاغ في تفسير انتشار ظاهرة المشاركة الشكلية وتهافتهم على صناديق الاقتراع غير مقنعة، فالعلاقة السوية بين الدولة والمجتمع يفترض أن تنطوي على قدر كبير من المشاركة السياسية الفعلية للمواطنين بشكل عادل في الشؤون العامة ومن منظور تنموي، وكلما ازدادت المشاركة الفعلية والعادلة، كان ذلك دليلاً على أن الدولة تعبر عن توجهات المجتمع وتطلعاته.


الأمر السائد تفسره المعادلة المقابلة والتي تقدر أنه ما دامت القوة السياسية موزعة بصورة غير عادلة، والأمر ينسحب على توزيع القوة الاقتصادية فإن النتيجة أن مؤسسات الدولة تعمل بطريقة لا تخدم الفقراء، ولا تخلق الجسور التنموية التي تمكن المجتمع من العبور السليم والمعافى من العوز والفاقة والتهميش والحرمان إلى حد معقول من التكافؤ والعدل في توزيع النفوذ والسلطة والقدرات والثروات.


من المؤكد أن تأتي نتائج المشاركة الانتخابية في الانتخابات النيابية المقبلة في الأردن وحتى في فكرة الانتخابات للمجالس المحلية لتكرر المشاهد التي خبرناها خلال أكثر من عقد ونصف، حينما كنا نصفق جميعنا لحجم المشاركة الواسعة للمحافظات والمناطق الريفية والأحياء الفقيرة، لقد آن الوقت لتفسير عقلاني لهذه الظاهرة، وأن نحددها بأنها مشاركة شكلية وليست فعلية وحتى المبررات التي حاولت تفسيرها بالأطروحات التي أصبحت تتسم بالشعبية والتي نضعها تحت عبارة العشائرية والتعصب الفئوي تحتاج أيضاً لمراجعة.


تتراجع قدرات أدوات التدخل والتأثير الرسمي والنخبوي في المشاركة الانتخابية في العاصمة والمدن الكبرى وفي بعض مناطقها على اقل تقدير، فهناك رغبة رسمية تعودنا عليها أن تظهر أنماط المشاركة في تلك المناطق أكثر نزاهة، بينما لا توجد تلك الإرادة والمتابعة لما يجري في بقية المناطق أو حجم التدخل في الوقت نفسه نجد أن المجتمعات المحلية لا يتوفر للكثير من قواعدها العريضة الاستعداد للتمييز بين النزاهة الانتخابية والمصالح والحاجات من جهة أو حتى الاستعداد للتمييز بين أدوار المؤسسات وحدودها، بينما ما نزال نركز على استخدام العشيرة والعشائرية بأنها الأداة الوحيدة لتحليل المشاركة السياسية في هذه المجتمعات وهو أمر على وجاهته غير دقيق.


حينما يكون الفقر ليس وليد ظاهرة طبيعية، بل نتيجة خيارات أو سياسات اقتصادية أو اجتماعية وسياسية، تصبح المشاركة الشكلية الزائفة للفقراء والقواعد الاجتماعية العريضة أداة لإعادة إنتاج الفقر والحرمان والتضليل أيضاً.


[email protected]

تعليق واحد

  1. باسم الطويسي …أبدعت !!!
    هذه المقالة من أهم ما قرأت خلال الشهر الحالي …وأستطيع تصنيفها بممتاز مع درجة الشرف !!!
    المهمشون في الوطن لايقل عددهم عن 90% من عدد السكان …وكنت أتحدث مع صديق مثقف ومهتم بالشأن العام قبل يومين حول نفس الموضوع …فإتفقنا على تسمية " المهمشين " عن سابق تصور وتصميم ب " المبعدين في وطنهم " !!
    هؤلاء المبعدون وظيفتهم تنحصر في الانصياع لما تقرره النخب السياسية
    والاقتصادية المتنفذة والمؤثرة…
    ودفع الضرائب والرسوم التي لها أول
    وليس لها آخر ليملوأ الخزينة بالاموال المطلوبة لدفع رواتبهم وعلاواتهم ونفقات أسفارهم ومياوماتهم وغيرها من أسباب رفاه النخبة من سيارات وأثاث وسواقين وحرس وسكرتيرات ومدراء مكاتب ومستشارين وغيرهم من الاوصاف الوظيفية المخترعة لغايات التنفيع ورفع الرواتب ( رواتب مدير أمانة
    عمان ونوابه ومدراء الدوائر مثلا)
    أو أنها تنهب وتسرق بطرق بدائية لا تليق بالادارة الاردنية ( وزارة
    الزراعة مثلا ) وغيرهما كثير !!!
    المبعدون في وطنهم سياسة مبرمجة لمجموعات الاحتياط الذين تضعهم الحكومة ودوائرها في جيوبهم الخلفية غير عابئة بوجودهم !!!
    لاحظ أخي الكريم كيف أننا ندور في نفس الحلقة من الاسماء كيفما تحركنا
    يتنقلون من مكان لمكان …وقسم منهم يشكلون مدارسا في الفساد المالي والاداري …نعرفهم جيدا ويعرفون أننا نعرفهم ومع ذلك لسان حالهم يقول : من لا يعجبه ذلك بإمكانه شرب مياه البحر الميت
    أو ضرب الرؤوس في الحائط !!!
    شكرا لك أخي الكريم على هذا الطرح
    الجريء والمتميز في زمن كتبة الدعسة
    الفجائية , ومقالات " سواليف حصيدة " !!!
    شيء مؤسف !!! أليس كذلك ؟؟؟؟؟؟؟

  2. الفئات المهمشة …إلى متى ؟؟؟؟
    لاشك أن الفئة الكبرى هي الفئة المهمشة في وطني …وهذه الفئة لاأحد
    يكترث لها مهما حاولت فرض نفسها ثقافيا وعلميا وكفاءة !!!
    جهود جبارة مهدورة غير مقدرة ولاتقوم بعدالة ونزاهة وشفافية على الرغم من إدعاء المسؤولين بلإلتزامهم بها!!!
    هذه المعايير الصحيحة غير ملزمة لأحد على أرض الواقع !!!
    بلدنا مليء بالكفاءات المهمة إلا أنها لا تجد فرصتها ولا تستطيع الوصول إلى صانع القرار المحاط بسور
    عال لايمكن القفز من فوقه للأسف !!
    السؤال : إلى متى ؟؟؟
    أنا لا أملك الإجابة …إلا أن هناك
    سرا ما يقف خلف إستبعاد القدرات والكفاءات القادرة على العطاء !!
    من يستطيع أن يكشف لي هذا السر فإنه سيربح الجائزة الكبرى , وعندئذ
    سيفتح المجال لهذه الكفاءات لتظهر للعلن …وستشرع الابواب أمام من هو قادر على المشاركة في التنمية وما أكثرهم !!!
    مع تقديري وإحترامي لهذا الطرح المهم والواقعي !!!!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock