أفكار ومواقف

الموازنة الصعبة

مع صدور أمر الدفاع رقم 6 لسنة 2020، اشتعل حوار وجدال مفهوم حول أوضاع الاقتصاد والعمل والعمال في ظل حظر التجول والتباعد الاجتماعي المفروض، وقد تباينت الاجتهادات، وتنوعت الطروحات حول التشريعات الجديدة، ومسؤوليات وإمكانيات كل من الدولة والقطاع الخاص والعمال في القدرة على تحمّل أعباء الظرف ومواجهة تبعاته.
وقد مهّد لهذا القرار وسبقه انتقادات وتحذيرات وشكاوى واسعة من قبل اقتصاديين ورجال أعمال محليين وفي الإقليم والعالم حول الآثار الفادحة التي تنشأ عن الإجراءات الاحترازية التي تفرضها مختلف الدول ورافق ذلك بيانات متشائمة، ودراسات مدعّمة بمنحنيات اقتصادية هابطة بحدة صادرة عن جهات متعددة منها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها.
ولكن الشكوى من آثار إجراءات الحظر لا تقتصر على المجال الاقتصادي، فالمؤمنون يستعجلون العودة إلى جُمعهم وجماعاتهم، والتعليم عن بعد لم ينضج بعد ليحل محل التعليم التقليدي، سواءً في اكتساب المعرفة أو في الاختبار والتقييم، ويمتد التبرم والضيق من إجراءات الحظر والعزل إلى كافة أوجه النشاط البشري باستثناء ما استوعبته تقنيات التواصل الافتراضي وهو الأقل.
من هذه المنغّصات ما يمكن أن يُحتمل على المدى القصير أو المتوسط خاصة مع حالة الخوف والهلع التي تنتاب الناس ولكن تبقى هناك تحديات قاسية لا تنفع معها الرخص الشرعية، ولا الترهيب والترغيب، وأهمها ما يتصل بمعاش الناس، وحقوقهم الأساسية، وحاجاتهم الضرورية.
نتفق أطباء واقتصاديين وسياسيين على أن أزمة وباء كوفيد 19 قد تسببت بأوضاع لم تشهدها البشرية منذ قرن من الزمان، وبالتالي فإن البشرية بمجموعها لا تمتلك الخبرة للتعامل معها ولا يستطيع أحد المجازفة بالتنبؤ بما سيكون عليه الحال بعد شهر أو أسبوع أو أقل من ذلك، فحين تكون التحديات مستجدّة، والمشكلة غير مبحوثة بحثا كافيا، وحين نفتقد إلى النماذج الصحية والاقتصادية ذات الصلة، فإن الخوف يقدّم على الرجاء، والحرص يغلب الإقدام.
حاولنا في الأردن أن نتعظ بغيرنا، وأدركنا أننا قد نقدر على دراهم الوقاية، ولكننا قطعا لن نتحمل قناطير العلاج الباهظة، لكننا في نفس الوقت أدركنا أيضا أن هناك قدراً كبيرا من المعاناة نخوضه وتخوضه البشرية، ولا بد لنا من أن نجد مساحة التوازن التي تساعدنا على التماسك والمصابرة حتى نجتاز هذه المحنة، ونصل إلى شكل من التوفيق بين الحفاظ على الإنسان بالتوازي مع الحفاظ على الاقتصاد ما أمكن ذلك.
لقد أودت تطورات الأزمة بكافة الإستراتيجيات وخطط النمو التي وضعها السياسيون والاقتصاديون، فرأينا على مسرح الحياة مقاربات تتهاوى مطيحة معها بأرواح وإمكانيات ومشاريع أرادت أن تحافظ على عجلة الإنتاج، ومؤشرات النمو فلم تثمر إلا خسارةً في الاقتصاد، وتراجعاً في الأسواق المالية، وتسارعاً في نسب البطالة، فأين هي مناعة القطيع وفي أي مشفىً يرقد صاحبها؟ وأين هي التطمينات المتسرّعة وقد أثمرت تحرشاً بمنظمة الصحة العالمية في غير أوانه؟
علينا أن نقر أننا جميعاً في ذات المركب، إن لم يكن على اتساع العالم ففي وطننا الأردن على الأقل، فلا جدوى من حماية أجساد جائعة، كما أنه لن ينهض اقتصاد بدون عمالة معافاة ومجتمع آمن، وفي هذه المساحة الدقيقة يكون الاجتهاد في البحث عن منطقة التوازن بين ضرورات الصحة ولوازم الاقتصاد، والغاية هنا دفع المفاسد الأكبر قبل الأصغر وهذه قبل جلب المنافع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock