أفكار ومواقف

الموازنة وأطروحة تغيير النهج

قد لا تكون موازنة الدولة التي أقرها مجلس النواب يوم الخميس الماضي قد عبرت بالفعل عن تغير حقيقي في النهج باعتبار أن الموازنة تعد الوثيقة الأكثر تعبيرا عن السياسة العامة للدولة على مدى عام، ومن الواضح ايضا أن الطريقة التي ناقش فيها مجلس النواب والطريقة التي أقر بها الموازنة لم تتغير أيضا، وعلى مدى الأسابيع الماضية لم تتغير الطريقة التي قدم بها الإعلام الموازنة للجمهور ولا الطريقة التي نقل بها تفاعلات الحكومة والبرلمان حولها. في المجمل الكل شركاء في استمرار إدارة الأمر الواقع، والكل يسهم حاليا في استمرار أن يبقى التغيير محصورا في الكلام والنوايا؛ وبالمناسبة هذا ينسحب على ردود أفعال الناس وتعاطيهم مع الشأن العام بالمجمل.
صحيح أن الدولة – اي دولة – تشبه السفينة الكبيرة في عرض البحر ليس بكبسة زر يمكن تغيير اتجاهها، ولكن كان من الممكن ان تعكس الموازنة العامة التأسيس لمنهج في تغيير المالية العامة للدولة، فما تزال فلسفة الاعتماد على الذات مجرد شعار، وما تزال فكرة الانتاج مجرد عنوان جميل، بمعنى آخر التأسيس لمنهج إصلاحي في ادارة موارد الدولة وإنفاقها لم يتبلور بشكل او آخر.
إن الاصلاحات الحقيقية تعكسها موازنات الدول أكثر من أي مؤشرات اخرى سواء سياسية أو إعلامية، ومهما كان حجم تحديات الموارد التي تواجهها المالية العامة؛ فإن هذا لا يعني ابدا تضييع أي فرصة يمكن ان تنعكس في الموازنة ببرامج اصلاحية جادة، بل إن الأزمات المالية قد تكون أحد الأسباب الدافعة نحو اتجاهات إصلاحية تترجم ماليا ويقبلها المجتمع.
لقد عكست البرامج المالية الحكومية خلال الأعوام الماضية تراجعا في الإنفاق الرأسمالي المباشر وهذا مبرر في ضوء التحديات المالية ومحددات البنك الدولي، وتراجعا بالتالي في البرامج التنموية الموجهة للمحافظات التي كان من المفترض ان تعكس حزمة من السياسات العامة الموجهة لصالح استيعاب مشروع التحول لدولة الانتاج وضمان انعكاسها في حياة المواطنين وهذا غير مبرر ولا معنى سياسي او اقتصادي له.
في المقابل ثمة أفكار ومبادرات مهمة وردت في برنامج الحكومة، الاولويات الحكومية لعامي 2019 – 2020، وقد تكون المدخل الملائم لإرساء منهج التغيير في الموارد والإنفاق ما يحتاج الى تغيير طريقة ادارة إنفاذ الموازنة العامة، ومن الأمور التي تذهب الى التفاؤل بدء الحكومة مؤخرا في التأسيس لبرنامج للمتابعة والتقييم بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي، وهذا يحدث لأول مرة وينتظر ان تلمس نتائجه في ادارة هذه الموازنة.
يعمل ضغط الموارد مع انخفاض مستوى كفاءة إدارة المتاح منها على المزيد من تضاؤل هذه الموارد التي تعاني في الأصل من الندرة، وبالنتيجة فإن المتاح أمام الأسر والأفراد من الطبقات العريضة يصبح محدوداً، هنا تلجأ هذه الطبقات إلى الرضا بالرديء من السلع والخدمات، بل وتبحث عنه، وفي هذه الظروف تنتعش قطاعات للرداءة أحياناً تمارس نشاطها بانتهازية مكشوفة، وأحياناً نتواطأ جميعاً في خلق ثقافة تتستر وتحجب ما يحدث حولنا. في خط مواز مع هذه التحولات يزداد الضغط والاستهلاك الجائر للنظم البيئية المحلية بأبعادها المختلفة، نتيجة الاستهلاك الجائر للبنى التحتية وسوء إدارتها وتحميلها فوق طاقتها، وللأسف فإن إمكانية رسم سيناريوهات لاحتمالات مسار التدهور في النظم البيئية المحلية يعد من أعقد الأمور.
هذا الواقع يجعل نظم المتابعة والتقييم ضرورة مصيرية لضمان كفاءة الندرة في الموارد وهذا الرهان الحقيقي الذي يتطلب من الحكومة الحزم فيه من خلال تفعيل المساءلة والشفافية وبدون هذه النظم سوف يدفع المجتمع الثمن مضاعفا.
بدون موازنات إصلاحية ستبقى كل برامج الإصلاح مجرد ديكورات وطنية من اجل تمرير المرحلة، وتجميل صورتنا، وبدون موازنات ترتبط بنظام متابعة ومراقبة وتقييم صارم، لن يشعر الناس بأن ثمة تغييرا يحدث.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock