ثقافة

الموت يغيب المفكر العربي طيب تيزيني

عمان – الغد– غيب الموت مساء أول من أمس، المفكر السوري الدكتور طيب تيزيني، وهو من أنصار الفكر القومي الماركسي، ويعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه الفلسفي لإعادة قراءة الفكر العربي منذ ما قبل الإسلام حتى الآن.
وتوفي تيزيني عن عمر يناهز الـ85 عاما بعد صراع مع المرض في مدينته حمص.
وإضافة إلى أسرته، نعى عدد من المثقفين السوريين طيب تيزيني الذي يوصف بأنه “أحد كبار المثقفين والمفكرين العرب في العصر الحديث”، والذي سبق أن تم اختياره واحدا من أهم مائة فيلسوف عالمي، حسب تصنيف مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية في العام 1998.
وكان كثير من مؤلفاته عبارة عن مشاريع فكرية لا تقف عند كتاب واحد بل تصدر في سلسلة ضمن المحور ذاته.
وبحسب (ويكيبيديا)، ولد تيزيني في حمص العام 1934، وتلقى علومه في حمص، ثم غادر إلى تركيا بعد أن أنهى دراسته الأولية، ومنها إلى بريطانيا ثم إلى ألمانيا لينهي دراسته للفلسـفة فيها، ويحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة العام 1967 أولاً، والدكتوراه في العلوم الفلسفية ثانيا في العام 1973، ليعمل بعدها في التدريس في جامعة دمشق، وشغل وظيفة أستاذ في الفلسفة حتى وفاته.
شارك تيزيني في العمل السياسي قبل سفره خارج سورية للتعليم، يوجز هذه المشاركة في حوار له بجريدة الراية، حيث يقول “في الحقيقة هنالك بعض الجذور التي تشدني إلي السياسة فكرا وممارسة، فلقد أسهمت في بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت في سورية لفترة زمنية كنت بعدها أعود إلي العمل الفكري، خصوصا بصيغة الفكر السياسي، لذلك فالتجارب التي عشتها في أحزاب سياسية معينة كانت تقدم لي تجربة عميقة، سعيت وأسعى إلي التنظير لها في إطار الفكر السياسي العربي، وقد تعمق هذا الاتجاه لدي حين لاحظت ضرورة العودة إلي الفكر السياسي العربي في التاريخ العربي علي نحو العموم، فكتبت مثلا بعض كتاباتي التي امتزجت باهتمام عميق بالسياسة وبالفكر السياسي”
حصل طيب تيزيني على درجة الدكتوراة من ألمانيا في أطروحة معنونة “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة” والتي نشرت بالألمانية في العام 1972. وقد تبلورت أطروحته باعتبارها نواة لمشروع فلسفي عند نشر كتابه الأول باللغة العربية وهو “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” العام 1971 الذي طبع بعد ذلك خمس طبعات. حول الدكتور تيزيني بعد ذلك أطروحته إلى مشروع متعدد المراحل مكون من 12 جزء.
في هذه المرحلة أنجز أعمالا منها “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى” (1982)، و”من يهوه إلى الله” (1985)، و”مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” (1994). وقد أنجز ستة أجزاء من هذا المشروع قبل أن يتحول إلى التركيز على قضية النهضة. وتركزت المرحلة الثانية في فكر الدكتور تيزيني، والتي بدأت تقريبا العام 1997، على معالجة عوائق النهضة العربية سواء في فكر الذات أو تلك الناتجة عن الحضارة الغربية. وفي هذه المرحلة أنجز أعمالا منها “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي” (1996)، و”النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة” (1997)، و”من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني” (2001).
ويمكن القول بوجود سمتين مهمتين أساسيتين للتحول الفكري في مسار الدكتور تيزيني، على الرغم من احتفاظه بالفكر الماركسي كمرجعية فلسفية. الأولى هي التخلي عن الطرح الماركسي التقليدي القائل بأن عملية التحول المجتمعي تقوم على صراع الطبقات، واستبدالها بالاعتماد على الطيف الواسع للمجتمع ككل. والثانية هي استبدال استبعاد الفكر الديني الإسلامي من عملية التحول المجتمعي، الذي هو جزء طبيعي من الفكر الماركسي، بأهمية فهم التجربة الدينية الإيمانية من الداخل وتأثيرها في إنجاز التحول المجتمعي.
يرتكز الفكر الفلسفي لتيزيني على فكرة أساسية يمكن القول بأنها تمثل الفكرة المركزية التي يدور حولها مشروعه الفكري جميعه. يحاول الدكتور تيزيني بصور متعددة أن يثبت أن الفكر العربي، ويشمل ذلك ما قبل ظهور الإسلام، هو جزء من تطور تاريخ الفكر الإنساني بالمعنى العام. وهذا يستتبع نتيجتين، الأولى هي أن هذا الفكر ينطبق عليه المنهج الجدلي المادي على الرغم من أنه، أي الفكر العربي، قد تطور وازدهر في ظل الحضارة الإسلامية. والثانية هي أنه لا يمكن قبول فكرة المركزية الأوروبية التي تنزع عن الفكر العربي (الإسلامي) أصالته الخاصة به وتجعله مجرد حامل للفكر اليوناني القديم.
تظهر مركزية هذه الفكرة بشكل واضح من تحقيبه التاريخي للفكر العربي على أنه فكر ينتمي إلى “العصر الوسيط”، حيث يقسم الفكر الإنساني إلى فكر قديم ووسيط وحديث. كما يظهر ذلك أيضا في تحليله للفكر العربي ابتداء من “بواكيره الأولى” قبل الإسلام اعتمادا على المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل الإسلام وبعده. وبالتأسيس على ذلك يرى د. تيزيني أن هذا الموقف يحرر الفكر العربي المعاصر من سيطرة الفكر الغربي، حيث يمكن في هذه الحالة استئناف الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني. كما يمثل ذلك الموقف، من جانب آخر، وسيلة للخروج من سيطرة الفكر التقليدي حيث يمكن إعادة قراءة الفكر العربي باعتباره جزءا من التاريخ الإنساني. وبالتالي ستمثل إعادة القراءة التاريخية هذه دافعا آخر نحو استئناف الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني.
يستعرض تيزيني في الصفحات الأولى لكتابه “على طريق الوضوح المنهجي السمات الأساسية للمنهج الصحيح في معالجة الفكر العربي ويُبرز فيه سمتين عامتين أساسيتين، الأولى هي الاعتراف بالتعددية على المستويين المنهجي والنظري، فليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة. والثانية هي الضرورة الموضوعية للاعتماد على المنهج التاريخي الجدلي.
بالنظر إلى أن تيزيني يهدف إلى وضع الفكر العربي في إطار تطور الفكر الإنساني، وبالنظر إلى أن هذا الفكر هو في الواقع فكر إسلامي يعبر عن ظهور الحضارة الإسلامية، بالنظر إلى ذلك تصبح إشكالية العلاقة بين الجانب “الإسلامي” والجانب “المادي” لهذا الفكر إشكالية مركزية. لذلك بذل تيزيني جهدا تنظيريا كبيرا لإنشاء تصور جدلي للوجود يحتفظ بالوجود “الظاهري” لكلا الجانبين، ويعطي في نفس الوقت للتحليل المادي لهذا الفكر مشروعيته النظرية.
يعتمد تيزيني على موقفه الذي يضع الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني له سماته المميزة وخصوصيته الذاتية لتدعيم رفضه لفكرة المركزية الأوروبية، ويوضح ذلك بأنه إذا أردنا أن نستوعب الخطوط الأساسية لتاريخ الإنسانية الفكري الثقافي، فإن دراسة وتقصي المكتسبات العربية-الإسلامية الوسيطة في هذا الحقل الفكري تشكل شيئا جوهريا. هذه الحقيقة التاريخية تتناقض على نحو واضح مع الآراء ووجهات النظر اللاعلمية حول تاريخ الفكر الإنساني.
من خلال هذه التصورات النظرية يكون تيزيني قد أنشأ أساسا نظريا يمكنه من التعامل مع الفكر العربي الإسلامي. فالفكر العربي الإسلامي هو جزء من تاريخ الفكر الإنساني يقبل التعامل التاريخي معه. والجانب المثالي و”الديني” فيه يمكن وضعه في إطار جدلي مع الجانب المادي فيه. تأسيسا على هذه الأسس النظرية يطرح تيزني، بناء على تحليلاته الجدلية المستفيضة، موقفه التفصيلي من الفكر العربي الإسلامي القديم.
يحرص تيزيني في تحليله الجدلي بين المثالي (الإسلام) والمادي (العلاقات المادية للمجتمع الإسلامي) على إبراز مشروعية كلا الجانبين وأثرهما في تطور الأحداث، وذلك بطبيعة الحال في إطار تحليله الأولي للكيفية الطبيعية التي نشأت بها هذه العلاقة الجدلية تاريخيا. فالجانب المادي يؤدي إلى نشوء الجانب المثالي، والجانب المثالي يؤدي إلى دفع الجانب المادي.
كما يحرص تيزيني في إطار هذه الجدلية على تجنب الوقوع في التفسيرات الغيبية أو الميتافيزيقية. فالتغيرات الاجتماعية، رغم هذه الجدلية، يمكن تفسيرها تماما من خلال العوامل المادية الجدلية وحدها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock