آخر الأخبار حياتنا

الموت يغيّب الفنان نادر عمران عن فوانيسه المضيئة بالمسرح والفن

سوسن مكحل

عمان- ساخراً من الواقع كما في مسرحه، قاهراً الظروف لانجاز عمله وإسعاد الآخرين، مؤمناً برسالة المسرح  والهم الفني الابداعيّ؛ هكذا يغيب عن الساحة الفنية الفنان المخرج نادر عمران، مؤسس فرقة ومهرجان فوانيس المسرحي، الذي وافته المنية مساء اول من أمس عن عمر ناهز 62 عاما، تاركاً خلفه فوانيس من الفكر والثقافة والشغف المسرحيّ.
كان عمران لاذعاً بالانتقاد يحوّل الألم لسخرية سوداء على الخشبة وحتى على منصة الترحيب، وافتتاح مهرجانه ناقلاً ألم الفنانين بشكل أو بآخر. وسبق أن نقل وجعا وطنياً كاملا “فلسطين” على خشبة لا تتجاوز الأمتار ليقدمه بترحاله ومعاناته وسيرته الذاتية للعالم أجمع.
كيف لا وهو الذي قال في حديث سابق لـ”الغد”، “أعمالي المسرحية المتعلقة بالقضية الفلسطينية تمثّل مذكراتي الشخصية عن تاريخ فلسطين وما عايشته من آلام نقلتها بطريقة الكوميديا السوداء، وهي تقديم خلاصة تجربتي الشخصية مع الاحتلال، وكيف أفهم القضية الفلسطينية”.
تنقّل بالهموم والشارع، استطاع أن يزرع البسمة كما يحب للآخرين، وأسهم في تشكيل سينوغرافيا العمل المسرحي بشكلها الحداثي داخل الاردن. سعى جاهدا لأن يظل مبتسماً حتى النهاية ولو كان على حساب “الموت”، وسبق أن قال في حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي “ابتدعت طرقاً كثيرة لإسعاد الناس وسعيد أنني ساموت تعيساً”.
هكذا يغادر عمران بصمت المهموم الخائف على وطنه والابداع والفن، محملاً كما وصفه الزملاء من رفاقه بهم المسرح والثقافة والفكر، تاركاً ارثاً مميزاً لمن سيعبرون المسرح وينبشون بتاريخه العريق واسهامات رواده.
نقيب الفنانين الأردنيين الفنان ساري الأسعد في حديثه لـ”الغد” قال “إن الفنان عمران من الفنانين الذين أسهموا في الحركة الفنية، ولديه مهرجان خاص به يحتذى على المستوى المحلي والعربي تحت اسم “فوانيس”.
واعتبر الأسعد أن أن عمران كان محنكاً وفناناً وادارياً من الدرجة الأولى وهو ما أثبته الراحل من خلال تنظيمه لمهرجان قويّ ورافد للحركة المسرحية الاردنية الشابة، يجب أن يحتذى بها لما قدمته من فكر ومسرح وجمال.
ونقل الاسعد تعازيه للفنانة نادرة عمران شقيقة الفنان وذويهم، آملا أن يلهمهم الله الصبر والسلوان، مؤكدا ان مسيرة الفنان تركها حاضرة في وجدان كل الفنانين الاردنيين.
فيما ودع الزملاء العرب رحيل القامة الفنية بكلمات مؤلمة، متأملين أن تكون مسيرته ورسائله الفنية الثقافية، استطاعت أن تمتد لأكبر شريحة ممكنة كما عاهد الفنان نفسه بإيصالها للمجتمع وإسعادهم عن طريق الفن والإبداع.
مدير  مديرية الثقافة والفنون في وزارة الثقافة الأردنية محمد الضمور قال في حديثه لـ”الغد” إن الفنان نادر عمران يعتبر من الفنانين الذين فقدتهم الساحة المسرحية على وجه الخصوص، اذ يعتبر من المجددين بالمسرح على مستوى محلي وعربي، وتميّز في ادخال السينوغرافيا بشكلها الحداثي للمسرح الاردني.
ويشير الى أن مسيرة عمران مليئة بالاجتهاد والتميّز والنضال الذي ملأ فضاء المسرح به من خلال مهرجان فرقة “فوانيس” الفني الذي اتسع على مساحة الرقعة العربية ووالدولية وأداره بشكل مميز، آملا أن يتغده الله بواسع رحمته.
المخرج والفنان مدير مهرجان المسرح الحرّ علي عليان تحدث عن فقد الساحة لفنان كبير مثل نادر عمران وقال “إن مسرح الفوانيس أحدث ثورة حقيقية في المسرح الاردني السائد مطلع الثمانينيات صنعها مجموعة من المسرحيين على رأسهم الفنان الراحل نادر عمران الذي اثرى الفعل المسرحي برؤيته البصرية  فأصبح هو صاحب مصطلح السينوغرافيا والذي لم يكن متعارفا عليه محليا”.
وأضاف عليان أن عمران يحتل مبدأ الريادة في مجال “السينوغرافيا” والتي انتقل بعدها لتأسيس مسرح الفوانيس وتنظيمه ببعد دولي استقطب فيه أهم العروض المسرحية من كافة انحاء العالم واصبح قبلة للمسرحيين من كل الاقطار، مما أثرى الساحة الفنية بهذه العروض. ولاقى المهرجان النجاح تلو النجاح الى ان عبثت الايدي بهذا المشروع الضخم وتوقف ولكن نادر بمشاكسته للواقع اصبح مستمرا بمجال الفن التشكيلي الذي انطلق منه ليكون مسرحيا عربيا كبيرا. واعتبر عليّان رحيل عمران فقداً للأسرة المسرحية العربية التي احدثت تحولا نوعيا في مستوى التجارب المسرحية التي قدمها على مدار ثلاثين عاما.
يشاطره الرأي المخرج والفنان المسرحي الأردني حاتم السيد والذي رافق عمران في مراحل كثيرة من أعمال فنية ومهرجانات إذ يقول “حقيقة اليوم أننا فقدنا فنانا مميزا مهموما بالفن والابداع والمسرح على وجه الخصوص، لكون عمران أسهم في تنشيط الحركة المسرحية الفنية من خلال ايجاده لمسرح “فوانيس” الذي تميز فيه بالأعمال الفنية المسرحية التي قدمت مثل “دوم دوم تك” ومسرحية “هاملت” وغيرها الكثير”.
“المقاتل العنيد” نادر عمران كما يطلق عليه السيد، سعى دائما لتقديم كل ما هو جديد فأوجد فرقة فوانيس التي صارت مهرجاناً يطلق موسيقيين وفنانين وممثلين على الساحة الاردنية لكون صيت المهرجان المميز في الثمانينيات.
ومهرجان أيام عمان المسرحية الذي تأتي فيه فرق فنية من مختلف أنحاء العالم التي متعت الجمهور وقفزت بالحراك المسرحي بشكل نوعيّ.
أما الفنان بكر قباني فقال نادر عمران فنان متميز وعظيم في عطائه بما يتعلق بالمسرح، وسخر ثقافته العامة في خدمة التوفيق بين الشكل والمضمون ليكون العرض المسرحيّ متكاملاً مما يميزه عن غيره بامتلاك المهارة الفنية في تصميم الديكور والحس الموسيقي واختيار الممثلين وكل عناصر وتفاصيل العرض المسرحي مهما تجاوز مدة التدريبات ليخرج العرض نقياً وجميلاً وناضجاً.
ويضيف قباني أن بصمات عمران ستبقى خالدة في أوبريت “بتراء” لفيروز، ومسرحية عطشان يا صبايا ومسرحية المفتاح، قبل أن يرأس فرقته المسرحية “فوانيس” ويثري الحركة المسرحية بالعديد من الاعمال العربية والعالمية.
واختتم القباني كلماته “عشتَ مقهورا محملاً بهم الفنان وأعطيت تلاميذك من روحك ولم تنتظر مقابلا لرد الجميل، لم نعهدك غاضباً متعالياً، وافتك المنية مبتسماً كما كنت تواجه الصعاب والعقبات، لك الرحمة والصبر والسلوان للأحباء”.
يشار إلى أن الفنان نادر شقيق الممثلة الاردنية نادرة عمران، وهو مخرج وكاتب من مواليد العام 1955، نال البكالوريوس في الفنون المسرحية من أكاديمية الفنون بمصر العام 1979.
وألّف عمران عدة دراسات منها تاريخ المسرح في الأردن للموسوعة العالمية للمسرح، دراسة عن الفرق المسرحية المستقلة في المنطقة العربية لمهرجان لندن المسرحي، دراسة عن أهم التجارب المسرحية في الأردن لمهرجان أيام قرطاج المسرحية، دراسة عن القضية الفلسطينية في المسرح الأردني.

انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock