ثقافةحياتنا

“الموسيقى والغناء في فلسطين”.. رحلة غنية بدأت قبل العام 1948

عزيزة علي

عمان- صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، عمان كتاب بعنوان “الموسيقى والغناء في فلسطين قبل 1948 وبعدها”، من تأليف إلياس سحاب وسليم سحاب وفكتور سحاب.
ويضم الكتاب جزأين الاول “الموسيقى والغناء في فلسطين قبل 1948، تأليف- الأستاذ إلياس سحاب والمايسترو سليم سحاب- الموسوعة الفلسطينية، والقسم الثاني، المجلد الرابع، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، 1990”.
أما الجزء الثاني “الموسيقى في فلسطين بعد 1948، هي فعل بقاء في الأرض وفعل توحيد تأليف د. فكتور سحاب- فلسطين في مرايا الفكر والثقافة والإبداع التقرير الحادي عشر للتنمية البشرية، الجزء الأول، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2019”.
يقول فكتور سحاب في مقدمة الكتاب: “إنه عندما غادرا يافا آخر مرة في العام 1945، قاصدين مع الوالدين، موسى إلياس سحاب 1907-1991، وندى عطا الله زبانة 1910-2007- إلى عمان، حيث انتقل عمل الوالد، وكان إلياس في الثامنة من عمره، وسليم في الرابعة، وأنا في الثالثة، وحتى ذلك الوقت، لم تكن الموسيقى العربية، تعنيني قدر ما كانت تعني سليم، وخصوصا إلياس، لقد شهد إلياس، وهو في الخامسة، محمد عبدالكريم، أمير البزق، يعزف في بيتنا، في عيد ميلاد الطفل إلياس”.
يتابع سحاب حديثه قائلا: كانت الاسطوانات العربية، وأغنيات سيد درويش وسلامة حجازي ومحمد عبدالوهاب وأم كلثوم وليلى مراد وأسمهان، تضج في البيت كل يوم بما كان يملأ وجداننا الثقافي العربي في تلك السن المبكرة، بأفضل ما جادت به الموسيقى العربية. لكن التفاوت بيننا كان واضحا، إذ كان إلياس، وهو طفل يطلب أغنية لعبدالوهاب، فاذا احتال الوالد أو الوالدة لمناكفته، واختارا له أغنية أخرى، كان يكتشف اللعبة، من رؤيته الأسطوانة، قبل عزفها على الجراموفون المنزلي، الذي كان من أوائل الجراموفونات في يافا آنذاك، كان يقول إلياس “ليست هذه هي التي أريد سماعها”.
كانت إذاعة الشرق الأدنى في يافا، على مسافة محطة أوتوبيس واحدة من منزلنا في حي الجبلية، وكانت هذه المحطة، وإذاعة القاهرة، المصدرين الأساسيين لسماع مالم تحتوه مجموعة الأسطوانات المنزلة، وكان إلياس أكثرنا مواظبة على سماعها ومتابعة برامجها في مواعيد يحفظها عن ظهر قلب.
يقول سحاب أمضينا سنتين في عمان، وفي العام 1947، قرر والدي العودة إلى لبنان، وهناك عدنا نواظب على السماع، كما كنا في يافا وعمان، لكن إلياس، المتقدم سنا، كان المبادر، في سني المراهقة، على شراء الأسطوانات، من محل “ميلودي”، في جوار سينما “مترويول”، ثم من محل “روبي”، لقطان إخوان، وكانت مختاراته واسعة التشكيلة، من أغنيات غربية خفيفة، لاسيما أميركية اللاتينية الطابع. وكنا مستفيدين من مبادرات إلياس. أنا كنت مستعما جيدا. لكن سليم كان مستمعا شغوفا جدا حتى إنه حلم بأن يصبح قائد أوركسترا وهو في سن العاشرة، وكان لا يرضى بسماع الموسيقى مثل “الآخرين”، بل كان يضع أذنه بملاصقة مكبر الصوت، ليسمع التفاصيل في أداء الآلات ويتلمس أحاسيس المغنين، من أقرب مسافة ممكنة.
ويشير سحاب إلى انه في الخمسينيات، حين أصدرت “بيضافون”، مجموعة أسطواناتها القديمة، في طبعة جديدة على أقراص سرعة 45 دورة في الدقيقة، “سألنا الوالد، وهو يحمل بيده كراس أسطوانات بيضافون القديمة المجددة: اختاروا ما تريدون. نظرنا في الكراس، واخترنا ما يمكن أن يكون نحو 6 او 7 أسطوانات من أغنيات عبدالوهاب، وذهب والدي ليشتريها، لكنه عاد بالمجموعة الكاملة، بعدما اتفق على تقسيط دفع ثمنها، وهكذا عادت خزانة أسطواناتنا إلى الامتلاء، بعد الذي تركناه في يافا، من كنوز الموسيقى العربية، ونشأ قطاع واسع من وجداننا الموسيقى في هذه البيئة”.
“كان والدي ووالدتي، من أحرص الآباء على إحاطة أبنائهم بأسباب الثقافة، من كتب للقراءة، وأسطوانات للاستماع، أما أدوات الاستماع فكانت من أفضل الأصناف: راديو “جروندج”، ذو المكبرات الأربعة للصوت، وذو الموجات القصيرة الثلاث عشرة”.
يتابع سحاب: كبرنا في هذا الجو الذي كان أكبر المسهمين فيه الوالدان، ثم أخذ يسهم فيه إلياس، لم تغب عنا الموسيقى العربية الجيدة يوما، لا من الإذاعات العربية ولا من جديد ما زخرت به السوق من أسطوانات، وحين ازدهرت المهرجانات الموسيقية في لبنان، لم تغب عنا مواكبتها، مستمعين مواظبين، مدققين، متذوقين، خاصة إلياس بصفته الصحافية التي تشعبت كتاباته بين “السياسية والفنية”، وسليم بأحلامه التي لم تفارقه يوما وتدفعه في اتجاه اتخاذ الموسيقى تخصصا له ومهنة، أما انا فكنت مستمعا جيدا، ثم اسمع ما يقوله أخواي وأختزن من ثقافتهما ما أمكنني.
“عملت في الإعلام، وصادفت في إذاعة لبنان كلا من “حليم الرومي، محمد غازي، يوسف الصفدي، حنا السلفيتي، فريد السلفيتي، وعبود عبدالعال، وجميعهم ممن لجأوا من فلسطين بعد النكبة، لكنني لم أكن زميلا لهم في الموسيقى، بل كنت أكتب وأذيع البرامج والأخبار، بينما عاد سليم من دراسته قيادة الأوركسترا السمفوني والأوبرا في موسكو، فتولى قيادة فرقة الموسيقى الإذاعية، وصار زميلا لكل منهم، بحكم عمله، فعاشر، كلا من: توفيق الباشا، ميشال خياط، زكية حمدان، وديع الصافي، وخالد أبو النصر، من فناني لبنان، وكذلك من الفنانين النازحين من فلسطين إلى إذاعة لبنان، وكان قبل سفره إلى موسكو قد عقد صلة صداقة متينة مع أستاذه في المعهد الموسيقى اللبناني، الراحل سلفادور عرنيطة، وزوجته الباحثة في التاريخ الموسيقيى الفلسطيني المرحومة يسرى جوهرية عرنيطة”.
ويشير سحاب إلى انه في تلك السنوات، عزز إلياس علاقاته بالفنانين، من خلال كتاباته في النقد الموسيقى في مجلة “الحوادث”، ثم جريدة ” المحرر”، وغيرهما. وكانت الجيرة تجمعنا في الطبونة، مع الفنان الكبير “زكي ناصيف”، وكذلك دخل إلياس في جو محمد عبدالوهاب والأخوين رحباني، وكثير من الفنانين المصريين، على رأسهم الشاعر العبقري صلاح جاهين، والموسيقار سيد مكاوي، والموسيقار كمال الطويل.
“هكذا سارت الموسيقى العربية، بما فيها من تراث فلسطيني خاص، أو عربي عام، بيئة ثقافية نتحرك فيها بحرية وبمعرفة المعارج والسكك، أما أنا، فقد درست التاريخ، فكانت تلك الدراسة، مقرونة بشغفنا الموسيقى، باباً دخلت منه إلى الكتابة في تاريخ الموسيقى العربية في القرن العشرين، إضافة الى اهتماماتي التاريخية الأخرى”. بحسب سحاب ويضيف، “إن هذا الكتاب هو بعض نتاج رحلة العمر الطويلة هذه مع الموسيقى، ومع القضية الفلسطينية والجذور التي ترفض أن تنسى تربتها، عسى أن يكون هذا النتاج، على المستوى الذي يخدم القضية، ويسد بعض الحاجة إلى إحياء الذاكرة، ومنعها من الذبول والانكفاء، فقضيتنا الأولى، هي قضية فلسطين، والثقافة من أمضى أسلحتها، هذا هو إيماننا، وتلك هي حوافزنا”.
ويوضح سحاب، على الرغم من أن هذا البحث قد رصد تفاصيل الخصوصيات الفلسطينية في مجالات الموسيقى والغناء فقد اتضح لنا ونحن نضرب في كل واحد من هذه المجالات المختلفة “الغناء الشعبي، الرقص الشعبي، الموسيقى المحترفة، الآلات الموسيقية” أن التداخل شديد بين ما هو خاص بفلسطين وما هو مشترك مع بيئة المشرق العربي الذي تنتمي إليه، وهو تداخل يصل في بعض المجالات إلى حد التطابق، كما سبقت الإشارة في مقدمة هذا البحث. وبالإضافة إلى كون هذه الحقيقة الأساسية تعبيرا عن الواقع فإنها تأتي لتعميق من جديد هذه الثنائية البارزة في الشخصية الثقافية لفلسطين، كجسر بين مصر وسائر أقطار المشرق العربي، وهو ما نرى فيه عنصرا ثابتا من عناصر البعد القومي للقضية الفلسطينية، قبل 1948، وبعدها، في مقابل ما يبدو على سطح الأحداث السياسية بين فترة وأخرى من عناصر غير ثابتة في هذه القضية.
ويؤكد أن هذه العناصر الثابتة في الشخصية الحضارية والثقافية لفلسطين قبل عام 1948، قد تحولت من وضعها المتماسك، إلى مجموعة أوضاع مجزأة مفككة بالنسبة إلى سياق تطورها ونموها على الأقل. فالتجمعات البشرية الفلسطينية التي بقيت مرتبطة بأرض فلسطين المحتلة عام 1948، أو عام 1967، تعترض نمو شخصيتها الوطنية الحضارية والثقافية مجموعة من المعوقات الاصطناعية القسرية. والتجمعيات الفلسطينية التي سكنت بعض البلاد العربية المحيطة بفلسطين، أو حتى بعض المغتربات البعيدة في القارتين الأمريكية والأوروبية، قد تغلبت لديها العناصر الثقافية والحضارية المشتركة، ولا سيما بينهما وبين محيطها العربي “وهذا شيء طبيعي”، على العناصر الخاصة المميزة.
ويتابع، حتى أن بإمكاننا القول إن الملامح الفلسطينية الخاصة في مجالات النشاط الموسيقى والغنائي، كما جاء في الكتاب لم تعد موجودة ولا هي محتفظة بخصوصياتها، إلا في مجال الغناء الشعبي والرقص الشعبي اللذين ما زال الفلسطينيون يمارسونهما. وأما في مجال الموسيقى المحترفة فقد أخذت مساحات التداخل بين الخاص والعام تتسع حتى وصلت إلى حد التطابق، وأصبح بإمكاننا التحدث عن موسيقيين فلسطينيين، أو من أصل فلسطيني، أكثر من التحدث عن ملامح فلسطينية خاصة في الموسيقى العربية المحترفة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock