ثقافة

الموصل القديمة.. قصة مدينة تأسر الروح

عمان-الغد- عند زيارتك مدينة الموصل (شمالي العراق)، لا سيما الجانب الأيمن من المدينة، تتراءى أمامك أزقة ضيقة ومنازل مهترئة يعود عمرها إلى أجيال ماضية، وبعضها لمئات السنين، وبحسب (الجزيرة نت)، تخبئ هذه الأزقة الضيقة بين جدرانها تاريخ هذه المدينة العريقة، وتسكنها العائلات الموصلية الأصيلة.
تقع المدينة القديمة في الموصل على ضفاف نهر دجلة من الجهة الغربية، إذ تحاذي المنطقة النهر على مسافة أربعة كيلومترات تقريبا.
وتعرف بأنها قلب الموصل، الذي توسعت منه المدينة لتكون المدينة العراقية الثانية في عدد السكان.
حازم محمود -أحد سكان الموصل القديمة- يصف المنطقة القديمة بأنها منبع مدينة الموصل، ومنها توسعت.
ورغم تعرض المدينة القديمة لدمار كبير إبان العمليات العسكرية بين القوات العراقية ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية العام 2017، فإن محمود عاد إلى داره بعد نحو عام على انتهاء المعارك.
محمود -الذي يتجول يوميا في المدينة القديمة- يرى أن روحه معلقة بهذه المنطقة، إذ إن فيها من التاريخ والعراقة ما يشده إليها ويجبره على عدم مغادرتها.
ولد محمود وترعرع بين هذه الأزقة الضيقة، ويقول للجزيرة نت إن تاريخ عائلته في هذه المنطقة يمتد لأكثر من مئتي سنة.
تضم المدينة القديمة عشرات المعالم التاريخية الإسلامية والمسيحية واليهودية، ولعل أبرز معلم تاريخي في المدينة هو الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء، التي بنيت في العهد الأتابكي، ودمرت عام 2017 خلال الحرب.
الحاج عمار حديد (ستون عاما) كان مؤذنا لسنوات طويلة في الجامع النوري الكبير قبل تحوله إلى ركام، ورغم فقدان عمار أحد أبنائه في العمليات العسكرية، فيرى أنه لا مكان يتسع صدره فيه إلا في المنطقة التي ولد وعمل فيها.
ويحكي حديد قصة المدينة القديمة للجزيرة نت، قائلا إن أغلب من يقطنون الموصل حاليا ينتسبون لبيوتات المدينة، ومنهم عائلة حديد والدباغ وأفندي والجلبي والنقيب والباشا والأغوات وعشرات العائلات الأخرى.
ورغم تشابه العمران في بيوتات المدينة القديمة وأزقتها، فإن حديد يؤكد أن بيوت العائلات الموصلية كانت تتميز بالإيوانات والقبب التي تختلف كل واحدة عن الأخرى بلمسات فنية ومعمارية ما زال بعضها واضحا للعيان.
ويأسف حديد على ما آلت إليه حال المدينة القديمة في السنوات الأخيرة، نتيجة الإهمال الحكومي، وما تعرضت له المنطقة في الحرب الأخيرة.
أستاذ التاريخ في جامعة الموصل الدكتور أحمد قاسم جمعة يؤكد أن تاريخ الموصل القديمة يعود إلى آلاف السنين، إذ إن الأبحاث التاريخية كشفت عن أن منطقة القليعات تضم تحتها أولى القرى الزراعية التي يعود تاريخها إلى الألف السادس قبل الميلاد.
ورغم قدم الموصل، فإن جمعة يرى أن المنطقة القديمة وأزقتها وفنها المعماري تأثرت بالحضارات والأطوار المعمارية التي توالت على الموصل، خاصة الحضارة الإسلامية بدولها المتعددة.
ويؤكد جمعة أن التاريخ الإسلامي في الموصل بدأ عام 16 للهجرة (637 للميلاد) عندما بني فيها المسجد الجامع (جامع المصفي) ودار الإمارة الإسلامية وسوق السراجين.
وما يميز الموصل القديمة -حسب جمعة- أن جميع دورها كانت بنيت من الطوب والآجر (الجص)، ونظام العقدة التي بنيت بها البيوت وسقوفها دون أي تسليح، الأمر الذي يعد فنا معماريا متميزا في البناء لم يعد الكثير من البنائين اليوم يجيدون تقليده.
وتضم المدينة القديمة بين أزقتها وحاراتها 365 معلما تاريخيا وحضاريا من مختلف العصور والديانات؛ كالمسجد النوري والإمام الباهر والإمام محسن، والتي فجرها تنظيم الدولة بحجة وجود قبور فيها، فضلا عن سور نينوى والكنائس وقلعة باشطابيا والإعدادية الشرقية وقره سراي وغيرها، بحسب مدير بلديات نينوى عبد القادر الدخيل.
ويبلغ عدد البيوت في المدينة القديمة نحو 12 ألف بيت قديم، بحسب الدخيل، الذي يؤكد أن شركة إيطالية أعادت رسم التخطيط العمراني للمدينة عام 2008، وفق المنظور التاريخي للمنطقة، إلا أن الحكومة لم تطبق ذلك على أرض الواقع.
ويعتقد الدخيل في حديثه للجزيرة نت أن كلتا الحكومتين المركزية والمحلية تفتقران لرؤية حقيقية في إعادة إعمار المنطقة والحفاظ على الإرث الحضاري فيها من الاندثار.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock