أفكار ومواقف

الموظف الفرد عندما يتجاوز قيم المؤسسية

تمتلئ مؤسساتنا العامة ومرافقنا الحيوية بموظفين يرون أنفسهم أكبر من المؤسسة ذاتها، هذه الرؤية تجعل من يمسك بخيوطٍ من السلطة ولو قليلًا منهم على أهبة الاستعداد لإساءة استعمالها، والبدء بعملية إقصاء من يعدونهم خصومًا، معتقدين أنّهم عبروا بكل ذلك إلى وهم الانتصار؛ فقصور الأفق يهيئ لهم أنّ المرافق العامة بسموها، والتي- ولمكانتها العظيمة- أخذ القضاء على عاتقه تطوير منظومة من المبادئ والنظريات الإدارية تضمن اطرادها وانتظامها، ومحاسبة من يسيئ لفكرة المؤسسية أو يتخذ أدواتها وسيلةً للتفرد أو الإقصاء أو التغول على عناصرها ومكوناتها وأصول العمل الإداري فيها؛ فالمؤسسيةُ لا يقع في قاموس مفرداتها النظرة الفردية الضيقة، وإنما يتسع فؤادها وتقيم في محرابها قيم الموضوعية والنزاهة وفريق العمل الواحد الذي يسعى لهدف أسمى من أي اعتبارات، هو النهوض والارتقاء بالمؤسسة بعيدًا عن شخوص أفرادها.
في تقرير حالة البلاد للعام 2019م، كان الجرحُ غائرًا فيما يتعلق بالمؤسسية، وغياب مفهومها ودورها عن العديد من مؤسساتنا. وكان للغياب مظاهر عدة أبرزها، تفرد بعض الشخوص بالقرار في إطار السلطة الممنوحة لهم، عدم الالتزام بمنظومة القيم والمبادئ الوظيفية، الإقصاء الذي يعدّ شكلًا من أشكال التمييز، لا بل أحد أشكال الفساد الإداري، تفشي ظاهرة التحالفات والزبائنية داخل المؤسسة، وسعي الأفراد لحماية أنفسهم أو الحصول على امتيازات أيضا من خلالها، وغياب ثقافة وقيم المؤسسية ابتداءً لدى الأفراد، فلا يقيمون لها وزنًا، ولا يقفون عند حدودهم أمامها.
وهنا لا يمكن أن نتحدث عن المؤسسية ومحوريتها في بناء الدولة دون أن نتوقف عند الورقة النقاشية السادسة للملك عبدالله الثاني ابن الحسين عندما أكدّ بأنّه «لا يمكننا تحقيق التنمية المستدامة وتمكين الشباب المبدع وتحقيق خططنا، إن لم نضمن تطوير إدارة الدولة وذلك بترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والشفافية..».
عندما يتجاوز الموظفُ الفردُ على قيم المؤسسية الحقة، ويجعل الأدوات التي منحته إياها الإدارة، تكليفًا لا تشريفًا، وسيلةً لإقصاء الآخر ولتحقيق مصالح خاصة ضيقة أو غير ذلك، عندها يتوجب أن نتوقف مليًا، وأن نعيد النظر في البنية المؤسسية ومدى رسوخ دعائمها وثباتها.
قبل ما يزيد على ألف عام، قال سيدنا علي رضي الله عنه قولته الشهيرة: «يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال»، في دلالةٍ عميقةٍ إلى أنّ القيم الأصيلة لا ترتبط بشخوصٍ وأفراد، وأنّ القيم ثابتة وما دونها إلى زوال، وأنّ كلّ بناءٍ يقوم على شخوصٍ بعينهم هو بناءٌ مهزوزٌ لا يعوّل عليه، لا يُرتجى منه ولا فيه أيّ خير.
لذا فلنعمل على المحافظة على القيم الثابتة التي تنهض بالدول، وفي مقدمتها قيم المؤسسية، قيمٌ إذا لم نسع إليها اليوم بكل ما أوتينا من قوةٍ وعزيمةٍ، سنورثُ أبناءنا مؤسسات هزيلة، جوفاء، خاوية على عروشها، تقوم على الفردية وتحطم روح العمل الجماعي ومكتسباته العميقة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock