أفكار ومواقف

الموقف من سورية

في الأردن بدأ الحراك من أجل التغيير قبل ما حدث في سورية، وحدثت تظاهرات أشارت إلى تفاعل كبير. فالقطاعات الشعبية بدأت تتحرك من أجل مطالب واضحة، بينما اختفى دور النخب التي سرعان ما أصبح همّ كثير منها الدفاع عن سورية إزاء “المؤامرة الإمبريالية”.
لقد هللت هذه النخب للثورة التونسية، وأكثر للثورة المصرية، وحاولت الاستفادة من “الظرف الثوري” لتحريك الشارع الأردني. لكن حين وصلت الثورة إلى ليبيا، وخصوصاً سورية، انقلبت تتحدث عن “المؤامرة”، وتنقل صراعها إلى كل مؤيد للحراك السوري، معتبرة أنها تخوض “معركة قومية كبيرة” دفاعاً عن المقاومة و”الممانعة”. فما الذي يجعل هذه النخب تفعل ذلك؟
في تونس، كان هناك نظام مرتبط بأميركا ويتعامل مع الدولة الصهيونية. وفي مصر كذلك هناك نظام كامب ديفيد، لهذا كان يجب الترحيب بالثورات التي حدثت. في ليبيا لم يكن الوضع واضحاً بعد تحوّلات القذافي، لهذا كان الموقف متردداً. أما في سورية، فالنظام “ممانع” ويدعم المقاومة ولم يوقع اتفاق “سلام”، لهذا فإن كل حراك ضده هو مؤامرة إمبريالية للنيل من “صمود سورية”.
لهذا يبدو أن “الموقف السياسي” من مسألة تعتبر جوهرية، هي “الإمبريالية والصهيونية”، هو الذي حكم الموقف من الحراك الشعبي في البلدان العربية المختلفة، وليس أي أمر آخر؛ فمن يوافقنا في السياسة صحيح ومن يخالفنا هو مخطئ. وبالتالي تقيّم الأمور من هذا المنظور الضيق والسطحي. فكل ظاهرة هناك من يخالفها من اليمين ومن يخالفها من اليسار، وهذان لا يلتقيان لأنهما يتوافقان على مخالفة الظاهرة. والموقف من الإمبريالية ليس كافياً لتحديد الاستراتيجيات، حيث إن القوى الأصولية كانت تبدو ضد الإمبريالية، وحاولت هذه النخب إقناعنا بالتحالف معها لأنها “ضد الإمبريالية”، لكنها تعتبر أنها “جزء من المؤامرة” اليوم.
السياسوية الفظة هي التي تقود إلى ذلك، والتي تفرض سطحية سياسية فاقعة. وهذا هو طابع هذه النخب التي فشلت في صنع شيء طوال العقود الماضية سوى إطلاق الشعارات، ولعب دور القاضي انطلاقاً من مقياس “بسيط” هو: من مع ومن ضد، أي فراغ يمكن أن يملأ في كل لحظة. وهذه هي كارثة الأحزاب السياسية أصلاً التي تخرّج هؤلاء منها.
لا شك في أن اختلافاً لفّ النظم العربية في بعض المواقف، وفي علاقتها مع “الإمبريالية”، لكن ما سبب ذلك؟ لا تكفي ملاحظة ما هو مكشوف، بل يجب فهم عمق الموضوع. هل اختلفوا على النمط الاقتصادي، أو على “السلام” و”التفاوض”، أو على العلاقة مع أميركا (التبعية)؟ من حيث الشكل هذا صحيح، هناك اختلافات في الموقف الآن، لكن ما هي حدوده؟ هل هو اختلاف تكتيكي أم يتعلق بتناقض عميق؟
من حيث الشكل هناك خلافات، لكن رؤية ذلك فقط توضّح ما هو مأساوي في وعي هذه النخب. حيث ليس مهماً وضع الشعب، المهم هو موقف النظام من “الإمبريالية والصهيونية”. ليس مهماً أن تنهب البلد ويفقر الشعب إلى حد الكفر، بل المهم “الخطاب القومي”. هل من احتقار للشعب أكثر من ذلك؟ هذه هي علة تلك النخب.
ماذا نفعل إذا كانت الثروة والاقتصاد قد تمركزا بيد قلة من السلطة ذاتها احتكاراً، وبات الشعب مفقراً إلى حد الإملاق؛ فحتى دراسات السلطة تشير إلى أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يصل إلى 31 ألف ليرة سورية تقريباً 620 دولارا، بينما متوسط الأجر اليوم يقارب الـ11 ألف ليرة سورية (حوالي 240 دولارا؟) هل ننتظر موت الشعب من أجل “الممانعة والمقاومة”؟ هذا هو الذي يجعل مسائل مثل مقاومة الإمبريالية، التي هي مهمة، يجعلها شعارات فارغة، فليس من مقاومة من دون الشعب، و”الممانعة” لا معنى لها إلا تكتيكياً وعلى حساب الشعب. وليس من الممكن تطور المقاومة واستمرارها والشعب يسحق وينهب. وأيضاً من ينهب ويراكم الثروة سوف يهرع للتفاهم مع رأس الإمبريالية: أميركا، لأنها الضامن لـ”فلوسه”. وحين لا يتحقق ذلك يجب أن نسأل لماذا أميركا لا تريد هذا الالتحاق؟ هنا تكمن كل الخلافات التي فرضت على النظام ألا يتسمى سوى بأنه نظام “ممانعة” وليس حتى صمود أو مقاومة. إنه يمانع قبول بعض الشروط فقط، فهل يسحق الشعب من أجل خلاف تكتيكي لا قيمة له على المدى الأبعد؟
حال الفقراء العرب واحد رغم اختلاف سياسات النظم. هذه هي الفكرة البسيطة التي لا بد من أن ننطلق منها. أما النظم فإلى زوال، وهي في صيرورة الزوال.

زر الذهاب إلى الأعلى