أفكار ومواقفرأي في حياتنا

المونديال.. هدف واحد يجمعنا

فريهان سطعان الحسن

في العام 1930، كانت صافرة البداية لما يعرف اليوم بكأس العالم. إننا نتحدث عن نحو 93 عاما من عمر هذه البطولة التي تشهد كل أربعة أعوام أجواء تنافسية على صعيد المنتخبات المشاركة، وعلى صعيد الجماهير المشجعة لكل منها. ولأننا نتحدث عن عالم بأكمله، فإن العنوان الأكبر يتمثل في تشابك ثقافات الشعوب وتنوعها في صورة تسويقية تحرص كل دولة على رسمها بألوان تجذب الأنظار.

قطر، المستضيفة لمونديال 2022، نجحت في تسويق ثقافتنا العربية، التي تأثرت بها شعوب العالم، احتراما، وتقديرا بعد سنوات طويلة من تلاعب الإعلام الغربي بمفاهيمنا وثقافتنا، لكن هل كان هذا هو المنجز الوحيد المتحقق في هذا العرس العالمي؟

كأس العالم بدأ متأثرا بالسياسة في محاولة لتأطير هذا المنجز العربي، لكن طابعه الرياضي تمكن من فرض نفسه على أجندة البطولة، لتغرس في الأذهان مشاهد الكرة البيضاء المستديرة وهي تتنقل بين أقدام مئات اللاعبين، وصاحبتها في ذلك مشاهد نراها لأول مرة في هذه البطولة وعلى رأسها البعد الروحاني عند بعض اللاعبين في عدد من المنتخبات، فغدونا مأسوري العاطفة التي لمست ذروة الإنسانية.

لست ممن يتابعون مباريات كرة القدم بصورة منتظمة، لكن من منا لا يفعل في كأس العالم، وتحديدا في المباريات التي تشارك فيها المنتخبات العربية، ولحسن الحظ أتابعها مع أمي التي أسرها وجود أمثالها من الأمهات يدعمن ويساندن أبناءهن داخل الملاعب. إنها الأم في كل حالاتها، التي تؤمن بأن أولادها أطفال في جميع الحالات، لا تغفل عنهم، ولا تتركهم يتجاوزون الصعاب وحدهم.

في الواقع، لم يغب عن بالي مشهد اللاعب المغربي سفيان بوفال وهو ممسكا يديّ والدته. يتراقص معها، يحضنها، يقبل يديها ورأسها وسط الملعب العشبي الأخضر، ليحتفلا بطريقتهما الخاصة، بالانتصار التاريخي لأسود الأطلس، مشهد يختصر معنى الحياة والجمال والفخر بنصر لم يتوقعه الكثير.

الأم التي تتجاوز كل شيء، لتركض برفقة ابنها والسعادة تغلف روحها وتنثرها على ملايين المشاهدين في الميدان، وعبر شاشات التلفاز، في لحظة من منا يستطيع محوها من الذاكرة. فرحة أم تمثل فرحة أمة عربية بأكملها. لحظة انتصار رسمها الأسود بفوز مستحق يؤهلهم لنصف النهائي.

كانت تلك مباراة المنتخب المغربي ونظيره البرتغالي، ومن سبقها مع فرق أخرى، بأجوائها، بمثابة جرعة من الأمل واقتناص لفرح غائب وعودة لشعور الدهشة الذي افتقدناه. فالطموح لم يتحقق للمغرب فقط، إنما للعرب جميعا بأداء مشرف سيكتبه التاريخ، وهو ما كان يظنه البعض مستحيلا!

منذ اللحظة التي انطلق فيها مونديال كأس العالم في قطر، ومعايشة الجميع لهذا الحدث على أرض عربية اتسعت لكل العالم، صغيرة بمساحتها لكن كبيرة بالإنجاز والانتصار؛ والسعادة تنتابنا بشعور عربي قومي جمعيّ.

تاريخيا، لم يكن للكرة العربية تلك الحظوظ في نهائيات كأس العالم، بينما أصبحت اليوم بوابة فرحنا، وأملا يراودنا لتحقيق الطموح، وزرع السعادة داخل قلوب الجماهير العربية التي تحتاج لمثل هكذا شعور يوحدها ويبعد أي خلافات جانبا.

“هو فخر لنا جميعا” ذلك الشعار الذي أطلقته قطر الدولة المستضيفة لتقول للجميع إن الطموح لن يتوقف اتجاه هدف واحد يجمعنا، وأي فريق عربي يتقدم هو بمثابة انتصار للعرب جميعا.

أن يقام كأس العالم على أراضي دولة عربية، كان بمثابة حلم صعب المنال، لكنه تحقق، لذلك لم يكن صعبا أن يكبر هذا الحلم في تأهل فريق عربي للمراحل النهائية، والتطلع نحو الإنجاز، لعلّ مشروعنا العربي يتحقق.

كرة العالم تجمعنا، الفرح يجمعنا، والانتصار يجمعنا.. والهم والألم يجمعنا..

لطالما هذا الهرمون العربي يوحدنا في مختلف القضايا، وعلينا ان ندرك أن مشروعنا الأساسي هو تنمية الإنسان والفرد، وتوفير كل الإمكانيات الممكنة لتحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فنحن نملك ما لا يملكه غيرنا..

المقال السابق للكاتب 

جائزة “أبدع”.. والدور الاستثنائي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock