أفكار ومواقف

الناس رقمٌ ونغم

انتشلتُ عنواني من قلب رواية لاهوت طويلة للكاتب يوسف زيدان، بعنون “عزازيل”. وهي ترجمة مُحكمة من اللغة السرّيانية إلى العربية، بشكل سيرة ذاتية لراهب قبطي، قام بالترحال من بلاده مصر في القرن الرابع الميلادي، مرورا بسورية والقدس.
وفي رحلته الطويلة بحثا عن الحقيقة، يتابع القارئ رجل الدين المسكون برفض المعادلات الثابتة، وهو يعيش تمزقه الأليم ما بين عقله الحر الذي مكّنه من قبول منهج العلوم والفلسفة كما نُقل عن اليونانيين الأوائل، وما بين إيمانه وتبعيّته لمذهب كنيسة الإسكندريّة الشرقيّة المتشدد. وهو يُظهر من سرده تأثره المبكر بالنظريات العلميّة اليونانيّة، والتي حُوربت في وقتها بأنها “أفكار وثنية”، ومنها نظريات “فيثاغوروس”، الفيلسوف اليوناني المغمور الذي قيل عنه بعد آلاف السنوات بأنه هو الذي ألهم أهمّ فلاسفة اليونان، مثل أرسطو وأفلاطون، وأثّر في الفلسفة العبرية والأوروبيّة.
وكل شيء في الوجود عند “فيثاغوروس” متعلّق بالأرقام، وكل اكتشاف يتعلّق بالرياضيات. وهو من أورد أنّ في قلب “الرقم” توجد حقيقة مُطلقة ومتوالدة. ومن مراقبته لأعمال الحدادة (!)، قام باستخراج القوانين الرياضية “للنوتة” الموسيقية، بقياس ضربات المطرقة بأوزانها، فأثبت أنّ لكل مطرقة صوتا خاصا بها، وأنّ لكلّ وزن صوتا، وأنّ في اختلاف الضربات أصواتا مميّزة قام بقياسها تباعاّ. وهكذا حتى خلُص إلى جمع عدد كبير من المعادلات الرياضية للموسيقى، تقومُ أساسا على قياس الحركة وفارقها؛ أي إنه أول من أثبت أنّ لكل جسم صوتا وقانونا حركيّا خاصا به ويحكُمه، وأنّ ذلك قابل للقياس وللتدوير أيضا. بعدها، قام بتطبيق ذات القوانين على حركة الكون، فخلص إلى مبدأ “الانسيابيّة”، أو إلى مفهوم “الهارموني” في الكون.
ومن الفلسفة، إلى الرياضيات، إلى الحكمة، إلى الحركة، إلى الرقم، ثمّ إلى الموسيقى! أجدها نظريّة آسرة وتستحق التأمّل.
وسؤالي هو: إذا ما قمنا اليوم بقياس معادلاتنا الحركيّة، فما هي الأرقام التي سنحصل عليها؟ وبأي الأوزان تتكيّف الآن أصواتنا؟ وهل تُنتج حركتنا بأوزانها الموسيقى، أم أنها تُنتج الفوضى؟ وهل يحكمُ قانون الحركة هذا العلم فقط أم الإنسان؟ أم أنها  لعبة الأرقام ولعبة الإنسان معا؟ أين السيمفونية؟ وكيف الوصول إلى الأوركسترا؟
المُدهش أنه، وبعد آلاف السنين من عمر الفيلسوف، تمكن جهاز الحاسوب من اختزال “كل” المعرفة في رقمين اثنين، هما: صفر وواحد. وهو يقوم اليوم بتدوير لغة كونيّة أخرى اختزلت أيضا الصورة والصوت في صندوق يصغُر بحجم الكف! والآن، نجد في الأردن بدايات مُبشّرة لصناعة مزدهرة في مجال الإنتاج الموسيقي، والأفلام الرقميّة، وهندسة الصوت، وتسجيل الأغاني، وتأليف الموسيقى الالكترونية في الراديو والتلفاز، وفي سـوق “الموسيقى الديجيتاليّة”.
هذا وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى بعض التراجع في مرتبة طلبة الأردن في القراءة والرياضيات والعلوم. وهي مهارات مطلوبة لصناعة واعدة جدا، لا تعتمد على ذات القوانين الحركيّة القديمة؛ فهي باختصار تحتاج إلى فضاءات وكفاءات واسعة، فيها الإنسان هو “الرقم”، وهو “النغم” أيضا عندما يعزف الكون الموسيقى.

 *خبيرة في تكنولوجيا المعلومات

تعليق واحد

  1. لغة الصفر والواحد !
    ليس بمستغرب ان يكون فيثاغوروس يوناني ,فاليوانانيون القدماء عرف عنهم ولعهم بالمجادلة والحوار والمنطق والبراهين ,والرياضيات ,العلم المجرد,هو قمة البراهين وأعظمها.اما الانسان الذي اختزل كل المعرفة في رقمين (الصفر و الواحد) ,فهو لم يفعل شيء سوى تقليد ذاته ,فهنالك الان اعتقاد لدى معظم العلماء,بأن الاشارات الكهربائية والسيالات العصبية الناظمة لكل العمليات الحيوية التي تجري في جسد الانسان ,تتم من خلال الترميز بهذين الرقمين السحريين .مقالة جميلة جدا ست ضحى !

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock