فكر وأديان

النبي المصطفى شمس الحضارة: أحداث السيرة العطرة

د. علي جمعة*

تعد سيرة نبينا، صلى الله عليه وسلم، كنزا من كنوز حضارة الإسلام التي يجب أن نجعلها نبراسا نهتدي به في دروب الحياة. وقد غفل الكثير من الناس عن حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، رغم امتلائها بالأحداث المهمة التي تجعله صلى الله عليه وسلم أنموذجاً فريداً لم تحظَ البشرية بمثله أبدا. ولعل قصة الراهب “بحيرا” أفضل مثال على ذلك.
فعندما بلغ صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، خرج به عمه إلى الشام، وقيل كانت سنه تسع سنين. وفي هذه الرحلة، رآه راهب صالح يدعى بحيرا -واسمه جرجيس- وعلم الراهب من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ما جهله قومه وأهله، فسأل أبا طالب عنه فقال: ابني. فأجابه: ما ينبغي أن يكون أبوه حيّاً، وتعجب أبو طالب من علم بحيرا! فقال له: فإنه ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به. فأجابه بحيرا مقتضباً وناصحاً: صدقت، ارجع به إلى بلدك، واحذر عليه اليهود. فأسرع أبو طالب برده مع بعض غلمانه إلى مكة.
ويبدو أن بحيرا قد عرفه من خاتم النبوة الذي بظهره -كما جاء في بعض الروايات- ومما كان يقرؤه في كتبه عن قرب بعثة نبي بعد عيسى عليه السلام، وكذلك مما يبدو على هذا النبي من أمارات وعلامات.
لقد ورث سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، عن آبائه المجد والمكانة. وحفظه الله أن تصيبه لوثات الجاهلية، كما طهره من أدرانها؛ فكان خُلُقه قبل البعثة مثلاً بين قريش. لكنه صلى الله عليه وسلم لم يرث عن آبائه متاعاً أو تجارة، فكان على شرف نسبه، وسمو مكانته، يسعى في الأرض، يفتش عن رزقه، ويكدح يومه مجابهاً شظف العيش، وخشونة الحياة، وهو في ذاك يتنقل بين رعي الغنم والتجارة.
فرعى صلى الله عليه وسلم الغنم مثله في ذلك مثل النبيين من قبله، وكان يمضي نهاره مستظلاً بسماء ربه، ويقضي يومه حُر الخطا يتجول بين المراعي، حر البصر يقلبه في أرجاء الكون الواسع حوله، حر الفؤاد يتنقل به بين فكرة وفكرة! ثم هو مع ذلك لا يهيم بعيداً في الخيال، بل يحفظ يقظته لتحفظ له غنمه الشاردة عن أنياب الذئاب؛ تعلم ذلك حين رعى الغنم قديماً في بني سعد، وثابر عليه وهو يرعاها -على قراريط- لأهل مكة.
وبينما أبو طالب يمر في أسواق مكة، علم أن خديجة تستأجر الرجال لتبعثهم في تجارتها إلى الشام مقابل بَكْرَيْنِ -أي جملين- فاستأذن أبو طالب محمداً صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى خديجة فعرض عليها استئجار محمد مقابل أربعة أبكر. فأسرعت بالموافقة، وقيل بل هي التي أرسلت إليه تستأجره، على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، لما سمعت من كرم خلقه، وصدق حديثه. فأجابها وعمره حينئذ خمسة وعشرين عاماً.
وارتحل صلى الله عليه وسلم إلى الشام بتجارة خديجة، وفي صحبته غلامها ميسرة، فباع واشترى. ورأى ميسرة من عظيم أمانته وصدق حديثه، وفضل خلقه، ما جعله يسارع إلى خديجة عند عودته ليقص عليها ما رآه من هذا الرجل العظيم. وقد لمست هذه السيدة الكريمة فضل محمد صلى الله عليه وسلم حين وجدت تجارتها بخلقه وعذوبته قد تضاعفت -أي بلغت الضعف- مما قوَّى في صدرها رغبتها في الزواج منه.
وعن نسب السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب. وهي أفضل نساء قومها نسباً وثروة وعقلاً. وقد تم الزواج المبارك الميمون الذي نعمت فيه السيدة خديجة بأفضل زوج، ونعم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيه من خديجة -التي أرسل الله إليها تحيته مع الروح الأمين- بحنان دون ضعف، وحزم دون عنف، ومساندة في كل وقت. ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليها غيرها حتى ماتت، وكل أولاده منها سوى إبراهيم، إذ ولدت له أولاً القاسم، وبه يكنى، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبدالله الملقب بالطيب والطاهر. وقد تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هي في الأربعين من عمرها.
عاش محمد صلى الله عليه وسلم مع قريش، وخالط رجالاتها؛ فقد كان قوى الفطنة، طيب المعشر، جميل السيرة، سليم السريرة، تام المروءة، عالي الهمة، طويل الصمت في التأمل والتفكير، محباً للخلوة معتزلاً اللهو والعبث، مطمئن القلب، سامي النفس، ما رُئي يوماً سابّاً، أو مجادلاً، أو صخاباً في الأسواق؛ عافت نفسه الخمر، وعزفت نفسه عما ذُبِح على النصب، ونأى بعيداً عن الأوثان واحتفالاتها الباطلة… كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وألينهم عريكة، وأعفهم نفساً، وأكرمهم خيراً، وأبرهم عملاً، وأوفاهم عهداً، وآمنهم أمانة، حتى سمّاه قومه لذلك كله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.
فقد شب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة حتى بلغ الأربعين متميزاً بخصاله النبيلة التي بهرت من حوله، حتى إذا كان قريب عهد من النبوة حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه الليالي ذوات العدد يخلد فيهن إلى غار حراء يتحنث فيه، متأملاً متدبراً. ولم يكن شيء أحب إليه صلى الله عليه وسلم من الاختلاء بنفسه والتأمل في الكون والدنيا للتعرف على الخالق.
ثم توالت آثار النبوة تلوح عليه، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى شيئاً في منامه إلا كان مثل فلق الصبح في تحققه، حتى مضى على ذلك ستة أشهر.
ثم بدأت تلك الرسالة الخالدة من غار حراء بنزول أمين السماء جبريل عليه السلام على أمين الأرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكلام الخالق، وهو القرآن العظيم.
هذا طرف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، والذي أجمع كل من عرفه على حسن أخلاقه، وحسن سيرته؛ فإن المرء قد يتزين أمام الناس دهراً، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك دوماً دون هنة أو هفوة، وقد يتصنع المرء ويتكلف خارج بيته، لكنه لا يستطيع أن يحافظ على تصنعه ذلك وتكلفه داخل بيته وبعد أن يوصد بابه.
وأن يوصف محمد صلى الله عليه وسلم بدوام الصدق والأمانة من أعدائه قبل أصدقائه، فذلك ما يؤكد أصالة خلقه، وزكاة معدنه.
*مفتي الديار المصرية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock