أفكار ومواقف

النجاة من مستنقع البطالة

أتفق كليا مع حديث وزير العمل سمير مراد بخصوص ضرورة زيادة مشاركة الأردن في القطاع المهني، وهو الأمر ذاته الذي أوصت به الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية. الوزير مراد استند في حديثه إلى أن المسار المهني في مختلف دول العالم بدأ باستقبال وتخريج عدد كبير من الأيدي العاملة، وأنه يجب بذل المزيد من الجهد لتذليل التحديات التي تواجه نجاحه أردنيا.
ولتأكيد دعوته تحدث وزير العمل عن التجربة الألمانية في هذا الاتجاه بقوله أن “55 % من الشباب والفتيات في ألمانيا يذهبون إلى المسار المهني، منتقدا الوضع في المملكة حين أشار إلى أن “الهرم في الأردن معكوس”.
لمن ليس مطلعا على التجربة الألمانية، فإن هذه الدولة الأوروبية تعتبر نموذجا مثيرا للاهتمام، حيث يمثل هذا المسار وصفة النجاح في قطاعي التجارة والصناعة. التدريب المهني هناك يتميز بأن الملتحقين به قادرون على الجمع بين التدريب في شركة مع الدراسة النظرية في مدرسة مهنية، ولذلك يسمّى بالتدريب المهني المزدوج.
ولتصل ألمانيا إلى هذا الإنجاز تمكنت من تجهيز بنية تحتية متكاملة، من حيث المدارس المتخصصة والكوادر المدربة، جنبا إلى جنب مع وجود سوق عمل واسعة تحتاج دائما إلى مزيد من المهرة والفنيين.
منذ العام 1869 يسري في ألمانيا قانون “التعليم المهني الإلزامي” للعمال دون سن 18 عاما. ويستطيع الشباب الاختيار بين 344 مهنة، وسط مزايا هائلة تتوفر لهذه الفئة العمرية، ممن يستطيعون الاختيار بتأنٍ وفق حاجات السوق أي مهنة في قطاع التجارة أو الصناعة أو الحرف اليدوية، لتعمد بعد ذلك الشركات لاستقطابهم وتوظيفهم.
الإقبال كبير على التدريب المهني في ألمانيا، لذلك فإن عددا كبيرا من خريجي المدارس لا يجدون مكانا للتدريب، بل إن متطلبات الحصول على مقعد تدريب تزايدت بصورة ملفتة في السنوات الأخيرة، فالتدريب التقليدي لم يعد مجديا أيضا لارتباطه بتفاصيل أخرى، فمثلا غدا ميكانيكي السيارات مطالبا بالتعامل مع الإلكترونيات، وبالتالي عليه امتلاك معرفة جيدة بالرياضيات.
في الأردن، ما نزال ندفع ضريبة ثقافة مجتمع يواصل تعنته ومقاومته لهذا التحول، إذ ينظر وفق تشخيص استراتيجية تنمية الموارد البشرية إلى التعليم والتدريب المهني والتقني على أنه مسار من الدرجة الثانية للطلاب، ممن يفضلون التعليم الأكاديمي والجامعي ووظائف القطاع العام، حتى مع ما يلازم ذلك من فترات طويلة من التعطل بعد التخرج.
كما أننا ما نزال ندفع ضريبة فشل الحكومات في تحقيق اختراق في هذا الجانب، إذ إن الاكتفاء بإطلاق استراتيجيات طويلة وقصيرة الأمد لا يحقق الغاية المطلوبة.
إلى جانب التوعية المجتمعية، هل بدأت الدولة السير في خطى تحقيق ذلك؟ كم مدرسة تدريب مهني تقني أنشئت في السنوات الماضية؟ وماذا عن الأيدي المدربة القادرة على تخريج جيل من الفنيين المهرة استنادا لاحتياجات سوق العمل؟
المشهد الحالي في الأردن يشير، وفق الاستراتيجية، إلى تبعثر جهود نظام التعليم والتدريب المهني والتقني كاملا، وإلى غياب التنسيق وعدم استحداث وسائل مستدامة لتمويله، إلى جانب المشاركة المحدودة جدا لأصحاب العمل، بالتزامن مع نقص في أعداد الحرفيين والفنيين المؤهلين لإشغال الوظائف المهمة في الشركات.
هذه التحديات أشارت إليها الاستراتيجية للأعوام 2016-2025، وفي عرف الإنجاز فإن معرفة التحديات لا تكفي وحدها للتقدم، ما لم يكن هناك عزم وإرادة على تجاوزها، وإلا ستبقى طوابير العاطلين عن العمل في ازدياد، وهؤلاء بمثابة قنبلة موقوتة لن يخفف من روعها حديث لوزير العمل يشير فيه إلى التجربة الألمانية، فيما هو معني بالدرجة الأولى في تطبيقها أردنيا.
كما أن على كل أردني أن يعيد النظر في رؤيته للتدريب المهني والتقني إذا ما أراد لأبنائه النجاة من مستنقع البطالة وانعدام فرص العمل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock