أفكار ومواقف

النسور “ثائرا”..؟!

بين عشية وضحاها، وبعد سنوات صمت طويلة، أيقنت حكومتنا، وبلسان رئيسها د. عبدالله النسور أن جهازها الإداري بشكل عام، والمتعلق بالاستثمار بشكل خاص، مترهل، وعليها “رفع” الصوت عاليا ليرى أولئك المترهلون “العين الحمرا” للحكومة، و”تدب” الحياة في ذاك الجهاز من جديد، لعل وعسى نستطيع أن “نلحق حالنا” ونصلح بعض ما تبقى.
طبعا وبالضرورة، فإن تحرك الحكومة جاء لاحقا لتصريحات جلالة الملك في العقبة، والتي أشار فيها إلى تعقيدات يقوم بها موظفون في مؤسسات حكومية أمام مستثمرين أجانب، يأتون بمشاريع، ونبه فيها إلى أن البعض يعرقل ويعارض بعض القوانين لكسب شعبية والظهور أمام الكاميرات، حاثا المسؤولين على الجرأة في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسهيل الاستثمارات وجذبها.
بعد التصريحات الملكية كان رئيس حكومتنا يعلن ويؤكد أن مشكلة الاستثمار عندنا هي الروتين الحكومي، داعيا في الوقت عينه الإدارات الحكومية المختلفة إلى التغلب على الترهل الحكومي، والوهن الذي أصاب بعض الجهاز الحكومي، وختم ثورته الإصلاحية بدعوة كل من يعطل العمل أو يعيقه أو من لا يقوم بواجبه بكل اقتدار أن يفكر بمغادرة مركب الإدارة الحكومية!
ترى هل كان رئيس حكومتنا بعيدا عن ملاحظة ورؤية تلك المشكلة؟! ولماذا تأخرنا في ملاحظة الترهل الإداري كل هذا الوقت؟ وهل كنا ننتظر جلالة الملك لكي يصرح بما صرح به حول معوقات الاستثمار، خلال زيارته للعقبة؟ فنرى البيروقراطية الحكومية التي عششت في مفاصل جهازنا الإداري، والتي عطلت مناحي التطور في مجالات مختلفة وليس في مجال الاستثمار فقط.
“ثورة” الرئيس النسور، وان جاءت متأخرة، الا اننا في أمسّ الحاجة للبناء عليها، ووضع الإصبع على جرح ينزف منذ سنوات، حتى أن نزفه تسبب في حرماننا من ملايين وربما مليارات الدنانير، بفعل مزاجية وعدم مقدرة أشخاص جاؤوا لمواقعهم بفضل واسطة فلان أو علان، وتربعوا على كراسيهم بفضل رعاية هذا المتنفذ أو ذاك! من دون أن تكون لديهم دراية بطبيعة ما يقومون به، أو معرفة بطرق دعم الاستثمار وجلبه، أو معالجة خلل في قطاع ما، وتقديم الأفضل، لا بل تراهم يبعدون الموظف المبدع ويقربون الكسول، يزيحون أصحاب الرؤى والتخطيط والإبداع والانجاز، ومن يمتلكون رؤى وحلولا دائمة وأفكارا مبتكرة، ويتسامرون مع من على شاكلتهم من حيث الترهل والكسل.
بطبيعة الحال، ليس المقصود شخصا معينا تسلم موقعا ما من دون وجه حق، ولا موظفا ساهم بفضل بيروقراطيته في زيادة الترهل الذي نشعر به، ولكني على يقين ان عددا من أصحاب المواقع الجالسين الآن خلف مكاتبهم، سيتحسسون رؤوسهم باعتبارهم مقصودين بما قيل، فالمترهل يعرف نفسه، وهذه الحال تنسحب بالضرورة على موظفين مترهلين، آن الأوان لكي نقول لهم “قف وكفى”! ونخرجهم من جهازنا الإداري.
المعالجة لا تأتي عبر تصريحات تطلق، أو عبر تهديد ووعيد يعبر عنه في مناسبات معينة، ومن ثم يعود كلٌ إلى حيه، وإنما يمكن معالجة الترهل والبيروقراطية الحكومية بإجراءات أساسية، أهمها محاربة الواسطة والمحسوبية، ليس بالأقوال فحسب وإنما بالأفعال، فلطالما أجلست الواسطة مسؤولين دمروا مؤسسات، ووظفت المحسوبية موظفين لا يمتون للكفاءة بصلة، فقط لأنهم من طرف متنفذ.
ثورة الرئيس النسور يتوجب أن تتبعها إجراءات، أبرزها سن قوانين تجرم وتمنع الواسطة والمحسوبية وتحبس مقترفيها، فدولة القانون التي نريدها ليست بحاجة لواسطة ولا لمحسوبية، وإنما لقوانين تعنى بشؤون الحياة، وكل من لا يلتزم بالقانون، من رئيس الوزراء إلى أصغر موظف، يقدم للعقاب.
لا يجوز مواصلة ترك السوس ينخر في جهازنا الاداري حتى آخر رمق، وانما علينا أن نعلم أولئك الذين اعتادوا أن يأخذوا من دون أن يعطوا، أن باب العطايا اقفل، ونقول لهم كفى!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الشكوى لغير الله مذلة
    من المضحك المبكي أن الرجل الذي يتربع على قمة الهرم الحكومي هو نفسه من يشكو من البيروقراطية الحكومية!!!! كنت سأتقبل شكوى من هذا النوع من مستثمر مغلوب على أمره، أو تاجر محلي، أو حتى من بائع على بسطة، لكن أن يشتكي رئيس الوزراء بنفسه!

    أتمنى على السيد الرئيس أن يمارس صلاحياته و سلطته كرئيس حكومة دستوري حائز على دعم النواب و يقوم بتذليل تلك العقبات، فهذا أجدى من التعبير عن الاستياء و الامتعاض، و الشكوى لغير الله مذلة!

  2. السياحه بحاجه لثوره ايضا
    كلام في الصميم…سيد جهاد السياحه في الاردن تحتضر فضلا عن الاسباب السياسيه المحيطه بالاردن هنالك الاسباب التي ذكرتها من ترهل والمحسوبيه وعدم اللامبالاه…التسويق السياحي ضعيف واحيانا نشعر بعدم الكفاءة …بظل عدم القدره فلنحث عن الحل في الخصخصه. وشكرا

  3. لم يعد يفيد الصبر اطول
    قد ينفع التذكير بما صرح به الكثير من الذين جاءوا للإستثمار هنا وقفلوا من توهم راجعون وهم يدعون انهم تعرضوا الى ضغط وتعقيدات لا تطاق من البيروقراطيين الذين يحاولون دائماً أن يرفضوا كل جديد عن جبن او جهل او مطامع واايات في نفس يعقوب …… يريدون حصدها دون وجه من ضمير او حق .
    الضبابية القاتمة التي تصاحب تعويق المستثمرين الأجانب في تحقيق وإتمام رغبتهم في الإستثمار هنا تحتاج من اصحاب القرار وقفة جادة متأنية لتفهم اسبابها ووضعها على مشرحة المعالجة والتصحيح .
    بعض المستثمرين يشكون من صعوبة اتمام معاملاتهم بسبب الروتين والتعويق المتعمل ، وبعضهم يشكو انه تعرض للإبتزاز حتى يحصل على الموافقات .
    ليس بالضرورة ان نصدق كل ما يقولون ، ولكنا يجب ان نصدق ان الأردن اصبح منطقة طاردة للمستثمرين ! كيف ولماذا ؟ لا نستطيع الإجابه على هذه الأسئلة بوجود ادارة حكيمة حاكمة ومتحكمة بتطبيق قوانين مرعية عادله
    من لا يخلص ويتقن عمله يجب ان يُجتث اجتثاثاً وهناك الألاف من المؤهلين المخلصين والمتحمسين للخدمة العامه ، ومن حصل على كرسي الوظيفة بالواسطه فليذهب وواسطته عندئذ ليشربوا البحر او يحرثوا المحيط إن استطاعوا، لم يعد للصبر مع هؤلاء ثمة من نفع والأردن يحارب بجد وجهد ومثابرة مشاكله ومشاكل امته بهمة وإقتدار . فلا يعقل ان لا يتمكن من معالجة حفنات من المتخاذلين الذين هم عن القيام بواجباتهم المقدسة غير قادرين .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock