ترجمات

النظام العالمي القديم يتداعى.. أخيراً

روبرت كابلان* – (ريل كلير وورلد) 22/5/2014

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان ثمة شيء حاسم ومتشنج معاً –لكنه مكتف بذاته مع ذلك- يتشكل في أزمة أوكرانيا التي جعلت الناس يعتقدون بأننا دخلنا الآن فصلاً جديداً من العلاقات الدولية. وكما لاحظ معلقون آخرون، فإن النظام القديم قد انهار. وهم يعنون بذلك الحقبة التي حملت سابقاً وصف “ما بعد الحرب الباردة”.
تبقى هذه الصيغة مذهلة وباعثة على الصدمة، لأنها تعني في قيمتها السطحية أن الدم والمآسي التي حصلت في أفغانستان والعراق لم تكن كافية للتأشير على قدوم طور جديد من التاريخ، في حين كانت الأشهر القليلة الماضية في أوكرانيا كذلك. ولكن، كيف يمكن أن يحدث هذا؟ الإجابة هي أن الحقب التاريخية عادة ما تتطور بتدرج كبير –على مر السنين، خلال عقد من القتال في الشرق الأوسط، على سبيل المثال- بينما قد يحضر إدراكنا لتلك التغيرات في وقت لاحق فقط، وفي لحظة واحدة، كما حدث عندما قامت روسيا بضم القرم.
دعوني أقوم بتعريف ما أشار إليه الآخرون باسم “النظام القديم”، بالإضافة إلى ما أتصوره حول المكان الذي نقف فيه الآن.
في آسيا، كان مفهوم النظام القديم، أو “ما بعد الحرب الباردة”، يعني الهيمنة البحرية الأميركية، وهو ما شكل في جوهره عالماً أحادي القطب عكسرياً، حيث كان الصينيون يطورون اقتصاداً عظيماً، وإنما ليس جيشاً عظيماً، وحيث كان اليابانيون متمترسين بأمان داخل منظومة عقلية شبه سلمية. وقد بدأ نظام ما بعد الحرب الباردة ذاك بالأفول فعلياً بعد نصف عقد فقد من سقوط جدار برلين، في أواسط التسعينيات، عندما شرع التطور البحري الصيني أول الأمر في أن يصبح ملاحَظاً بشكل واضح. وعلى مدى العقدين الماضيين، نمت القوة البحرية الصينية بثبات إلى النقطة التي أصبح عندها النظام العسكري الأميركي أحادي القطب يخلي مكانه لصالح نظام متعدد الأقطاب، حتى أن اليابان عمدت، في ردة فعلها على التهديد الصيني، إلى الانزلاق خارجة من نزعتها شبه السلمية، وأعادت اكتشاف القومية كخيار افتراضي. باختصار، يبدو النظام القديم وأنه في طور الانهيار –ولو أننا شرعنا في ملاحظة ذلك مؤخراً فقط. وقد شكلت المواجهة البحرية الصينية-الفيتنامية الأخيرة في بحر الصين الجنوبي مجرد علامة على ذلك فقط.
في الشرق الأوسط، كان مفهوم ما بعد الحرب الباردة يعني أن يبقي الأميركيون صدام حسين تحت السيطرة عن طريق إخراجه من الكويت، ثم خنقه بمنطقة حظر للطيران. وقد ساعد عراق صدام بدوره في الإبقاء على الملالي في إيران تحت السيطرة. وعملت الغزوات الأميركية لأفغانستان والعراق بعد 11/9 وقبول أميركا اللاحق بحالة الجمود في هاتين الحربين على التقليل من مصداقية واشنطن وسمحت لإيران بتوسيع نفوذها الجيوسياسي. ولكن، مع وجود البحرية الأميركية وقواها الجوية في شرق البحر المتوسط وبحر العرب والأماكن الأخرى –ناهيك عن نشر الطائرات بلا طيار وقوات العمليات الخاصة في مكان مثل اليمن- فإن القوة الأميركية تبقى غير قابلة للعبث معها كليّة. وفي الحقيقة، كان الخليج الفارسي –الذي عُهد بأمنه إلى القوة البحرية الأميركية- آمناً دائماً لنقل النفط، وغير متأثر نسبياً بالحربين في العراق وأفغانستان. وبطبيعة الحال، عمل انهيار دول وشبه انهيار أخرى في كل من سورية وليبيا واليمن على إضعاف النفوذ الأميركي في تلك البلدان، لكنه عمل أيضاً على إضعاف تأثير القوى العظمى بشكل عام. ومع ذلك، يمكننا القول بأن قدرة أميركا على التأثير في الأمور تقلصت مع تزايد الفوضى في المنطقة بمرور السنوات. هكذا أصبحنا نرى تلاشي النظام القديم بإيقاعه البطيء.
في أوروبا، بدأ انهيار النظام القديم قرب نهاية العقد الماضي مع بداية الأزمة المالية التي عصفت بالاتحاد الأوروبي. ولكن، ولأن الإعلام استمر لسنوات في تعريف الأزمة على أنها اقتصادية فقط، فقد كان من الطبيعي أن يُنظر إليها على أنها حدث اقتصادي وليس حدثاً جيوسياسياً أيضاً –وهو ما كانت عليه فعلياً. وفي حقيقة الأمر، قامت الأزمة بإضعاف نفوذ الاتحاد الأوروبي في دول المدار السابقة لشرق ووسط أوروبا، ما سمح لفلاديمير بوتن روسيا باستعادة موطئ قدم هناك: قامت روسيا ببناء خطوط أنابيب موسعة للطاقة، واستثمرت في مشاريع مختلفة للبنية التحتية في كافة أنحاء المنطقة. لكن النظام القديم صمد. فبعد كل شيء، عمل توسيع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في اتجاه دول المدار السوفياتي السابق وجمهوريات البلطيق الثلاث، واستقلال روسيا البيضاء الاسمي، وظهور أوكرانيا ومولدوفا كدول عازلة، على دفع روسيا بفعالية في اتجاه الشرق واحتوائها.
دام هذا الوضع في البداية بسبب حكم بوريس يلتسين الضعيف والفوضوي في داخل روسيا نفسها. لكن ذلك شرع في التغير قرب انعطافة الألفية عندما تولى بوتن الأكثر قدرة زمام الأمور، وعندما أصبحت أوروبا –خاصة وسط وشرق أوروبا- أكثر اعتمادية على أنابيب الغاز الطبيعي الروسية. وقد أشّر ضم القرم، الذي حفزة سقوط النظام الموالي لروسيا في كييف، للعالم على أن روسيا لم تعد محتواة. وهكذا، أصبح الجميع يدركون أن النظام القديم في أوروبا ذهب أيضاً.
كانت الأزمة الأوكرانية رمزية بشكل خاص، لأنه بينما أصبح التهديد الصيني في آسيا ملحوظاً لبعض الوقت الآن، وأصبح عدم الاستقرار في الشرق الأوسط واقعاً، فإن مسألة أمن أوروبا ظلت تعتبر أمراً مسلماً به بالنسبة للكثيرين ولوقت طويل جداً.
إذن، ما الذي حل، أو سيحل، محل النظام القديم؟
اقترح البعض نظام هيمنة أقليمية: الولايات المتحدة في أميركا الشمالية، والبرازيل في أميركا الجنوبية، ألمانيا في أوروبا، روسيا في أوراسيا، الصين في آسيا، وهكذا. لكن المشكلة في هذا السيناريو هي أنه يفترض التساوي بين الأطراف المهيمنة حيث لا توجد هذه المساواة في الواقع. وهو يفترض أيضاً أن هذه القوى المهيمنة نفسها مستقرة، وهو ليس واقع حالها غالباً. البرازيل تعاني من مشكلات مؤسسية هائلة واضطرابات اجتماعية. روسيا ستهيمن على أسواق الطاقة لوقت جيد في المستقبل، حتى بينما يتراجع عدد سكانها نفسه. ألمانيا عالقة كثيراً في الاقتصاد الروسي وقطاع الطاقة بحيث يصعب أن تتبنى سياسة خارجية حازمة. الصين تجلس على فقاعة ائتمانية هائلة، والتي تشكل واحدة فقط من تحدياتها الهيكلية والاقتصادية الكثيرة. والولايات المتحدة لها مشكلاتها بالتأكيد: جمود بين الحزبين، قطاع رعاية صحية مفلس، تفاوت متصاعد بين الأغنياء والفقراء، وهكذا. لكن المشكلات التي تثقل كاهل قوى الهيمنة الأخرى تظل في العديد من الحالات أسوأ بكثير وأكثر أساسية.
بكلمات أخرى، ربما تتعثر بعض قوى الهيمنة نفسها بشكل حاد في السنوات المقبلة، وقد تختبر روسيا والصين كلاهما اضطرابات اجتماعية كبيرة. ومن المحتمل كثيراً أن تكون روسيا ما بعد بوتين دولة فوضوية أكثر من كونها ديمقراطية؛ وينطبق الشيء نفسه على الصين، في حال عانى الحزب الشيوعي هناك من ضعف أساسي.
في حين أن الولايات المتحدة ربما تكون، بالمعنى النسبي، أقوى القوى المهيمنة لسنوات كثيرة قادمة، فإن قدرتها على التدخل في الأزمات العالمية ربما تتلاشي مع ذلك. وتعتمد القوة الأميركية على وجود سلطة مركزية قديرة في الأماكن الأخرى –لأنه أين يستطيع رئيس أميركي أن يضغط سوى على حكام آخرين؟ لكنه في حال أخلت السلطة المركزية نفسها مكانها للديمقراطيات الضعيفة والفوضى حيث لا يكون هناك أحد مسؤولاً حقاً، فلن يكون هناك عنوان يمكن أن تذهب إليه أميركا لتطلب القيام بعمل ما. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أدلة يعتد بها على أن الشعب الأميركي أصبح ببساطة أكثر تردداً أمام فكرة ضمان الأمن في الأماكن البعيدة مما كان عليه خلال فترة الحرب الباردة، عندما كان الأميركيون يرون أنفسهم في خضم معركة وجودية ضد أيدولوجية منافسة.
لا مشكلة لدى النخب السياسية في تصور عالم تحل فيه قوى هيمنة متنافسة محل النظام الأميركي شبه الإمبريالي –لأنه يمكن حتى لعالم تحكمة قوى هيمنة متنافسة أن ينطوي على درجة ما من النظام والتنظيم اللذين يمكن تمييزهما. لكن ما تجد هذه النخب صعوبة في تصوره، هو حلول عالم لا يكون فيه أحد ما في موضع المسؤولية في أي مكان، حيث يحكم اللاشكل، وحيث تكون فكرة التراتبية الهرمية نفسها قد أفلت. هذا اللاشكل الفوضوي، مصحوباً بالتكنولوجيا ما بعد الحداثية، ربما يساعد في تعريف العالم الذي ينتظرنا في نهاية المطاف.

*محلل رفيع للجغرافيا السياسية في “ستارتفور”، وهي مؤسسة استخبارية مختصة بالجغرافيا السياسية. وهو مؤلف كتاب “بوتقة آسيا: بحر الصين الجنوبي ونهاية الباسفيكي المستقر”.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The Old Order Collapses, Finally

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock