أفكار ومواقف

النظام العقلي الأول والنظام الثاني (2-2)

حسني عايش

يقول دانيال كانيمان في كتابه: (Thinking Fast and Slow, 2012) إن الذكاء ليس المقدرة على المفاكرة أو المحاكمة العقلية فقط. إنه القدرة على تحديد المعلومة الكامنة في الذاكرة، أو الانتباه إليها واسترجاعها عند الحاجة إليها، أيضاً، لحلّ مسألة أو مشكلة، وإن الناس يكونون أكثر استعداداً للتصديق عندما يكونون متعبين أو مرهقين، وإن التلاميذ والتلميذات في المدرسة، والطلبة في الجامعة يحسنون الإجابة في الامتحان عندما يكونون في وضع مريح، أو في مزاج حسن، وأن أخطاءهم تزيد إذا كان الوضع بالعكس، وإن القافية، أو الإيقاع، أو الارتباط، وطريقة صياغة أو تأطير (Framing) السؤال أو المشكلة، والمثابرة تساعد على الحفظ والتذكر، والنجاح في الامتحان أو في حلّ المشكلة».

لقد اخترعت أميركا نظام الأسئلة الموضوعية إبان الحرب العالمية الأولى، إذ لما كانت بحاجة ماسة وملحة لتوزيع الجنود على وحدات القتال حسب ميولهم وقدراتهم… وكان عددهم كبيراً جداً، وتصحيح الإجابات المقالية للأسئلة يستنفد الوقت الملّح، فقد ابتكر أحدهم هذه الأسئلة، واتخذوها فيما بعد منهجاً أميركياً، وجزءاً لا يتجزأ من التعليم والاختيار للوظيفة أو العمل، وقياس الذكاء والقدرات، والحالات النفسية… وهكذا تأصلت ثقافياً لدرجة أن القيم صارت تُكَمّى أي تقاس كمياً وننزل من عليائها بالاختبارات الموضوعية. وبالاحتكاك بالثقافة الأميركية سار كثير من الدول وراء أميركا وإن لم تملك أو قبل أن تملك المهارات القبلية والبعدية اللازمة لوضعها وإجرائها وتدقيقها.

الإشكال فيما يسمى بالأسئلة الموضوعية، حيث الجواب مجرد إشارة أو اختيار من متعدد أو كتابة أو ذكر للجواب الصحيح… في وقت قصير ومحدد، فقد يكون عدد الأسئلة فيه مائة ومدة الامتحان نصف ساعة فقط، لا تُزاد. عندئذ يلجأ التلامذة والطلبة في امتحان الأسئلة الموضوعية إلى الاستعانة بالنظام العقلي الأول السريع والسطحي، وإلا فإن الوقت يأخذهم ويتركون كثيراً من الأسئلة دون جواب.

وفي الأردن فإن إيراد أسئلة موضوعية في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) في جلسة امتحان وأجوبة مقالية أيضاً ووقت واسع، يجعل من السهولة بمكان الغش في الامتحان، على الرّغم من المراقبة في قاعات الامتحان. تكفي همسة لانتقال الأجوبة إلى جميع من في القاعة. ولعلّه لهذا حصل كثير من المدارس على تماثل في العلامات بين تلاميذها أو تلميذاتها في قاعات الامتحان نفسها. لو أنه جُعل للأسئلة الموضوعية ورقة خاصة ووقت محدد للإجابة عن أسئلتها لا يسمح للتلميذ/ة برفع رأسه وهو يجيب، لكانت النتائج مختلفة. فما بالك إذا كانت هذه الأسئلة مجرد تذكر ولا تستدعي تفكيراً يذكر من النظام العقلي الثاني.

وهكذا نكون في الأردن قد أخذنا المغلف (الاسم) عن أميركا في التعليم ثلاث مرات وألقينا الرسالة داخله في سلة المهملات: أولاً: أخذنا الساعة الصفية المعتمدة التي لا يقابلها ساعتان من البحث والقراءة والكتابة خارج الصف. ثانياً: أخذنا مجالس الأمناء الفاقدة للاستقلال الإداري والمالي.

ثالثاً: أخذنا الأسئلة الموضوعية الارتجالية المفتوحة الوقت التي لا تستدعي اللجوء إلى النظام العقلي الثاني في الإجابة عنها، لأن الأسئلة لم تغرهم باستخدامه.

إن التلاميذ والتلميذات في المدارس والطلبة في الجامعات الذين يقهرون الكسل المصاحب للنظام العقلي الثاني يجبرون على العمل وأخذ المبادرة من النظام الأول السطحي وغير الدقيق وغير الباذل للجهد. ونسمي الذين يلجأون إلى النظام الثاني بالمنغمسين فيه، فهم أكثر يقظة ونشاطاً عقلياً، وأقل رضا وانجذاباً للأجوبة السطحية أو الفورية التي تأتي على البال دون تفكير. إنهم أكثر شكاً بحدسهم أي أكثر عقلانية في نظر علماء النفس. إنهم لا يفكرون بعقولهم فقط، بل بكليتهم أي بعقولهم وأجسامهم معاً.

المقال السابق للكاتب 

لكل واحد منا نظامان يعقلان (1 – 2)

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock