أفكار ومواقف

النظر شرقا..!

نُحسَب في شرق العالَم، ونُسمى “الشرق الأدنى” في لغة الغرب، والمقصود “الأقرب”، لكنّ معنى المُفردة يُمكن أن يُقرأ على مرادف غير مستحب، ولو أنه واقعي. وفي الحقيقة، نظر الغرب شرقا من مواضع شتى؛ الاسترشاد، وربما الافتتان، والطمع. وفي لحظة أخيرة، غزا الغرب شرقه بالجيوش “استشرقه” بالخطاب. وفي الطريق اجتازت خيوله شرقنا الأدنى إلى الأقصى. وقبل ذلك، غزا الشرق الشرق. غزونا شرقنا في “الفتوحات”، وغزانا هو في حملات المغول.
لكن حاصل الجمع هو أننا الآن في لحظة تاريخية طويلة من الإقامة في الأرض الواطئة. حتى نعيش، أو هكذا هي الفكرة الطافية فوق كل المداولات، فإننا يجب أن نختار بين اتجاهين لاستجداء الحماية والمساعدة. ولأن آخر الغزاة كانوا الغرب، ما يزال الذين أسكتونا ليتحدثوا نيابة عنا يركضون خلفه وينادونه، مثل الطفل الذي يتشبث بذيل ثوب أبيه المغادر.
بل إن الجيران في “الشرق الأدنى” يحاولون صعود الجبال ونحن بين الحُفر: إيران في شمال الشرق؛ وتركيا في الشمال؛ والصهاينة مثل دُمّل في القلب. ينظرون إلينا بالعين الحمراء أحيانا، ويتدخلون ويغزون، أو يقترحون الحلول محل الراعي البعيد في تزويد السلع المطلوبة أكثر ما يكون عند العرب: الأقطار الفقيرة تتسول المساعدات والحماية بثمن الإرادة، والغنية تتسوق السلاح والحماية بثمن الكرامة.
أضعف الإيمان، من أجل بقية الهيبة، أن ننظر إلى الأقوياء البعيدين حيث لا تأتي العين في العين كل لحظة، خاصة وأن الجيران أتباع لهذا أو لذلك، ومن العيب أن يكون المرء تابعا لتابع. وهكذا: إذا لم تكن من جماعة أميركا، فأنت مستضعف وهش ومكشوف للغزو إلى أبعد الحدود. وإذا كنت من جماعة أميركا، يجب أن تظل ضعيفا ومحتاجا إلى أبعد الحدود أيضا. على الأقل، يجب أن تمر، بلا استثناء على حاجب باب الإمبراطورية، الكيان الصهيوني، حتى يصل طلبك المساعدات، أو ابتياعك سلاحا للعروض العسكرية أو ضرب الجيران العرب حصريا.
الآن، تُقرأ في العالَم ملامح تحول في الموازين. الصين لم تعد تخفي مخالبها تماما في الوسائد في زحفها إلى المقدمة، وتريد تكوين ناديها الخاص من الأتباع؛ وروسيا المتحسرة على عزتها القومية الغابرة تعرض الرعاية. وفي المنتصف وسطاء قوة في الإقليم يروجون لهذا وذاك.
جيد. ما دمنا قد علقنا في موضع المُحتاج فاقد الهمة، وندفع ثمن التبعية للراعي الأميركي أكثر مما تطيق النفس الكريمة، هل من المعقول الجلوس لحظة وتأمل سوق النفوذ وآليات العرض والطلب ومقارنة قيمة السلعة بالثمن؟ الصين تعرض المساعدات المالية والمشاريع، في إطار “الحزام والطريق” أو غيره – وربما مساعدة الموقف في مجلس الأمن. والروس يعرضون السلاح – وربما أكثر. وبالتأكيد، لن يعطينا أي منهما بلا ثمن. ولكن، إذا كان لا بد من الشراء، ألا ينبغي دفع أقل ثمن؟
سوف يُقال إنّ سوق جماعة الشرق لا يحسنون تسويق بضاعتهم فلا يقدمون ضمانات مقنعة لخدمات “ما بعد البيع”. ببساطة، إذا أنت أدرت ظهرك لدكان الأميركان واشتريت من الصينيين والروس، ألا يمكن أن يعاقبك الأميركي، بطريقته المعتادة، بأكثر من شد الأذنين؟ هل سيأتي رعاتك الشرقيون لنجدتك حقا بما يكفي لتكون في مأمن. انظر سورية. انظر ليبيا. انظر العراق. ربما جاؤوا للنجدة، لكن الدمار لا تخطئه العين.
إذن، يجب على الأقل أن يكون لديك ما يكفي مما تحمي به نفسك وقرارك إذا تأخرت النجدة –أو أن تغامر بالمراهنة بما في جيبك – والذي يبدو أنه كثير جداً، بالمناسبة. ويتطلب ذلك جرأة غائبة مستحقة لم يتأمل احتمال استعادتها بحكم اعتياد الهوان. أو أن تغيير الراعي مخيف ومنطوٍ على المجهول، مثل تغيير مكان السكن جذرياً، والتعامل مع مكان بلغة وناس وسلوكيات مختلفة. وسيصعب استبدال الأزقة المألوفة التي يرتادها العرب كثيرا للتسكع والتسول والتسوق بأخرى مختلفة. الذي تعرفه خير مما لا تعرفه.
الأميركان يغضبون أحيانا من الكيان نفسه، لأنه يستخدم ورقة فتح الباب للصينيين. والإيرانيون يستكشفون الشرق ويتحدون. والأتراك يشترون من روسيا وهم المحسوبون على أميركا والناتو. وبعض العرب، في عتاب السيد الأميركي الذي ازدراهم علنا، وليشدوا طرف ثوبه مثل طفل مُهمل، زاروا موسكو أو تواصلوا مع الصين (وعادوا راكضين متلفتين حواليهم). ولكن، أما من أغواء في فض عروض أخرى ولم يعد بالإمكان أسوأ مما كان، لعل، وعسى؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock