تحليل إقتصادي

النفط العراقي إلى أين؟ (4-3)

لهب عطا عبدالوهاب*
صدر مؤخراً تقرير بإشراف هيئة المستشارين في الأمانة الالعامة لمجلس الوزراء العراقي، بالتعاون مع الاستشاري “بوز أند كومباني”Booz and Company، حول التحديات والفرص المتاحة للطاقة عراقياً، والأهداف المرجو تحقيقها على المديين القصير والبعيد حتى العام 2030.
واستنتجت الدراسة أن على العراق الاستفادة القصوى من ثروته وتحقيق أمور أهمها: ترشيد الاقتصاد المحلي وتنويع الاستثمارات الرأسمالية وزيادتها، إعادة النظر في عمل مؤسسات الدولة وهيكلتها بحيث تحدد المسؤوليات لعملها وطرق محاسبتها وتوفير الكوادر البشرية الكفوءة للعمل فيها، وشمولها بالحوكمة.
واقترح التقرير برنامجاً استثمارياً متكاملاً لقطاع الطاقة حتى نهاية العقد المقبل.
 وهذا يقتضي تطويراً صناعياً سريعاً ومتوازناً لمجمل قطاعات الطاقة لتحقيق الاستفادة المثلى.
ويشير التقرير إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل واسع على النفط؛ إذ إن 45 % من الناتج و90 % من موازنة الدولة للعام 2010 اعتمدت على ريع الصادرات النفطية.
 وتقدر احتياطات العراق النفطية بـ143 مليار برميل. ويوجد ثلاثة أرباع الاحتياط في سبعة حقول عملاقة هي غرب القرنة، الرميلة، مجنون، كركوك، شرق بغداد، الزبير ونهر عمر. وتقع كلها، باستثناء كركوك وشرق بغداد، في جنوب البلاد.
 وبما أن المسح والاستكشاف لم يشمل بعد كل أراضي العراق، فيتوقع أن يصل الاحتياط إلى حوالى 200 مليار برميل. ويضيف التقرير إلى أن العراق خطا خطوات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية في زيادة قدرته الإنتاجية المستقبلية.
فقد منحت الحكومة الفيديرالية عقود خدمة فنية لعدد من شركات النفط العالمية لتطوير أو زيادة الإنتاج من 12 حقلاً ضخماً.
ورغم أن توقع الطاقة الإنتاجية المستقبلية صعب في المراحل الأولى من هذه العقود، يقترح التقرير التالعامل مع أنماط إنتاجية مستقبلية من أجل التخطيط الاقتصادي.
ويضيف التقرير إلى أن هدف العراق النفطي الاستراتيجي في المرحلة الحالية هو التأكد من تطوير الحقول بسرعة، والوصول بمستوى الإنتاج بنهاية 2014 إلى مستوى تقدر حدوده الدنيا بحوالى 4.5 مليون برميل يومياً في 2014.
وهذا يعني أن على وزارة النفط المتابعة المستمرة للتأكد من تطوير خمسة حقول مهمة (غرب القرنة – المرحلة 1 و2، الرميلة، الزبير ومجنون) التي يشكل إنتاجها المخطط له حوالى 75 % من مجمل الزيادة الإنتاجية.
 وأوضح التقرير أن العراق بصدد تشييد شبكة من خطوط الأنابيب التصديرية، بحيث يصبح من الممكن تصدير 3.75 مليون برميل يومياً عبر المنافذ الشمالية إلى البحر الأبيض المتوسط وخط أنابيب عبر الأردن إلى البحر الأحمر بحلول 2017، وتوسيع الطاقة التصديرية من الجنوب لتصل إلى 6.8 مليون برميل يومياً بحلول العام 2014.
وعلى النقيض من ذلك يرى العديد من المراقبين بما في ذلك وكالة الطاقة الدولية IEA إن العراق لن يكون بمقدوره زيادة إنتاجه كما يخطط له أي الوصول إلى 12 مليون برميل يومياً لأسباب لوجستية عديدة منها ما يتعلق بالبنى التحتية والكادر البشري، ناهيك عن الوضع الأمني الذي ما يزال هشاً رغم التحسن الملحوظ في السنوات القليلة الماضية.
كما أن السوق العالمية غير قادرة على إستيعاب مثل هذه الزيادة لاسيما إذا ما علمنا أن هناك حالياً بحدود 6 ملايين برميل يومياً طاقة فائضة لدى الدول الأعضاء في أوبك خاصة في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوب تضارب في المصالح بين البلدين.
 ومن الناحية التاريخية فإن حصة العراق في الأوبك كانت محددة عند معدل 14.5 % من الإنتاج الكلي للمنظمة، ما يعني أن إنتاج العراق وفقاً لهذه الحصة لن يزيد على 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2020، أي نصف الإنتاج المستهدف وفقاً لجولات التراخيص.
كما أن التقديرات المستقبلية تشير إلى أن الزيادة في الطلب على نفط أوبك بحلول العام 2020 ستتراوح بين 3 ملايين برميل يومياً كحد أدنى إلى 6.5 ملايين برميل يومياً كحد أقصى في أحسن الاحتمالات. إن هذا المستوى من النمو في الطلب سيكون من الصغر بمكان لإستيعاب الزيادة الكبيرة في الإنتاج العراقي.
الاستراتيجية الأميركية للطاقة:
وهناك العامل على درجة كبيرة من الاهمية يضفي مصداقية كبيرة للرأي القائل بأن النفط كان أحد العوامل الرئيسية للحرب تجسدها الاستراتيجية الأميركية للطاقة القائمة على محورين رئيسين:
الاول ضمان التدفق الآمن لإمداداتها وامدادات حلفائها في حلف شمال الاطلسي (الناتو) من دول منطقة الشرق الاوسط بما فيها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. إن إيلاء الولايات المتحدة للتدفق الآمن للامدادات من دول الخليج العربية يأتي بالرغم من ما تشهده الولايات المتحدة من ثورة تعرف بـ”ثورة الوقود الصخري Shale & Oil gas” والتي ستقلل الى حد كبير من درجة اعتمادها على النفوط المستوردة بما فيها النفوط العربية.
أما الثاني فإبقاء المالعاملات الدولية بما فيها النفط “مقومة “بالدولار الأميركي.
 ويمكن القول من الناحية العملية ان النفط العالمي أصبح “الغطاء” للدولار بدءا من العام 1971 حين قررت إدارة الرئيس نيكسون إيقاف العمل بقاعدة الصرف بالذهب Gold Standard التي تم اعتمادها العام 1944 فيما يعرف بـ “اتفاقية بريتون وودز”.
وفي عالمنا المعاصر اليوم فان أغلب البورصات في العالم لاسيما تلك الأوربية منها والتي تعتمد اعتماداً مطلقاً على استيراداتها النفطية (أكثر من الولايات المتحدة) تسعر نفطها بعملة الدولار.
 وتشير التقديرات الى ان التداول اليومي بالدولار لاغراض تتعلق بتجارة النفط الخام ومشتقاته فقط تربو على 5 مليارات دولار يومياً.
وعليه؛ فإن أي محاولة لإعادة تسعير النفط بعملة أخرى غير الدولار يعد “خطاً أحمر” للولايات المتحدة لا يجوز تجاوزه مهما كان الثمن.
ويرى العديد من المراقبين ان العراق دفع ثمناً باهظاً عندما لجأ في مطلع العام 2002م الى التسعير باليورو، وأن هذه المحاولة للخروج عن الإجماع العالمي أجهضت بعد الاحتلال مباشرة.
يذكر أن بعض الدول النفطية منها ايران وفنزويلا التي تتخذ موقفاً معادياً للسياسات الاميركية تدرس بجدية إمكانية تسعير نفطها باليورو.
كما تتردد الدعوات في اوساط الصناعة النفطية كلما هوى الدولار مقابل العملات الرئيسة الاخرى الى اعادة التسعير من خلال سلة عملات، تضم بالاضافة الى الدولار واليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني.
بيد أن هناك شبه اجماع في أوساط الاسواق المالية مفاده أن الدولار سيبقى مهيمناً في المعاملات الدولية ولسنوات عديدة مقبلة، خاصة وأنه يحتل أكثر من 80 % من حجم المبادلات كما أنه يمثل أكثر من 60 % من الاحتياطيات النقدية العالمية لدى البنوك المركزية.
تنظيم “الدولة الإسلامية” يهدد استقرار الاسواق:
يساور العديد من المتعاملين في السوق النفطية درجة كبيرة من حالة عدم اليقين تعززها هواجس عن انقطاع الإمدادات النفطية، لا سيما بعد سقوط محافظتي نينوى وصلاح الدين بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش”، خصوصا وأن “الثوار” يحكمون من قبضتهم ومحاصرتهم لمدينة بيجي التي تضم أكبر مصفاة للنفط في العراق، والتي تقع على بعد نحو 180 كيلومترا إلى الشمال من بغداد؛ إذ تبلغ طاقتها الإنتاجية 310 آلاف برميل يوميا، أي أنها تمثل نحو ثلث طاقة إنتاج المصافي العراقية.
ويحتل العراق اليوم المرتبة الثانية من حيث الإنتاج داخل أوبك بعد السعودية مباشرة وعند معدل 3.3 مليون برميل يوميا، وهو يتطلع الى زيادة إنتاجه الى 6 ملايين برميل يوميا من خلال ما يعرف بـ”جولات التراخيص” التي تمكنه من الاستعانة بالخبرات التقنية والفنية للشركات الأجنبية، وذلك بحلول العام 2020.
ونظرا لأهمية العراق النفطية ولما يتمتع به من احتياطيات مؤكدة Proven Reserves وصلت في مطلع العام 2014 عند 143 مليار برميل ما يضعه في المرتبة الثالثة بعد السعودية وإيران، فإن القلاقل التي يشهدها والتي تنذر بحرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً “.
كل ذلك دفع بالأسعار المرجعية للنفط الخام في بورصتي نيويورك ولندن للارتفاع الى مستويات قياسية تراوحت بين 105 و115 دولاراً للبرميل، وهو الأعلى له منذ ما يزيد على تسعة أشهر.
إن ما يثير قلق المراقبين هو التوقف الكلي المفاجئ للإنتاج، لا سيما وأن حقول الشمال (كركوك) ذات طاقة إنتاجية تصل الى 400 الف برميل يوميا والتي تصدر للخارج عبر ميناء جيهان التركي متوقفة حاليا عن العمل بسبب الأعمال التخريبية التي طالت العديد من مرافقها. وتخضع محافظة كركوك اليوم لسيطرة “قوات البشمركة” الكردية بعد انسحاب الجيش العراقي منها، وكما هو معروف فإن محافظة كركوك تعد من المناطق المتنازع عليها وهي بانتظار عودة المهجرين إليها انتظارا للتطبيع، ما يمهد للتعداد السكاني ومن ثم الاستفتاء والذي سيقرر مصير المحافظة وفقا للمادة 140 من الدستور العراقي للعام 2005.
الى ذلك، تمكن الأكراد مؤخرا من ربط صادراتهم بأنبوب النفط التركي -بدون الحاجة للمرور بأنبوب النفط العراقي- وصولا الى ميناء جيهان على ساحل البحر المتوسط بعد أن كانت وسيلتهم الوحيدة للتصدير هي الصهاريج. وقد أثار هذا التصرف حفيظة الحكومة الاتحادية في بغداد والتي ترى أن تصدير النفط يقع ضمن صلاحياتها الحصرية، وأن الجهة الوحيدة التي يقع على عاتقها التصدير، هي شركة تسويق النفط العراقية (سومو).

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock