أفكار ومواقف

النقل العام والتفكير الاستراتيجي

ما تزال أكثرية المواطنين ترفض استعمال وسائل النقل العام. السيارة الخاصة هي وسيلة النقل المفضلة. وامتلاك سيارة بات أولوية يقدّمها المواطنون بشرائحهم كافة على غيرها من الاحتياجات المعيشية. هذه نمطية سلوكية يمكن إرجاعها جزئياً إلى ثقافة مجتمعية. لكن سببها الرئيس هو فشل الدولة تأمين وسائل نقل عام فاعلة.


 تلوم الحكومة المواطنين لمبالغتهم في استعمال السيارات الخاصة. وتشير إلى الآثار السلبية لهذه السلوكية على الاقتصاد والبيئة وحركة المرور في المملكة.


 لكن على الحكومة أن تلوم نفسها أولاً. فهي التي قصّرت في بناء شبكة نقل عام موثوقة وآمنة ومريحة. وهذا قصور يعكس آنية التفكير الحكومي وافتقار المؤسسات الرسمية لمنهجية عمل تفكر ضمن أطر استراتيجية بعيدة المدى.


 أهملت الدولة قطاع النقل العام. فالنفط كان رخيصاً، ما أعمى العيون عن الحاجة لترشيد الاستهلاك النفطي. وكلفة السيارات، في ظل العوائق الجمركية التي كانت مفروضة سابقاً، جعلت امتلاك السيارة الخاصة حكراً على فئات محددة. المشكلة لم تكن ضاغطة. ولم تر الحكومة سبباً للتعامل معها.


 تغيّرت الأوضاع الآن. الانفتاح الاقتصادي فرض على الدولة تخفيض الجمارك على السيارات. ونتيجة لاعتبارات سياسية شعبوية لم تلتفت إلى المصالح الحيوية للبلد، رفعت الحكومة القيود عن استيراد السيارات القديمة. تضاعفت أعداد السيارات. زاد حجم التلوث البيئي. اكتظت الشوارع. وارتفعت أسعار النفط الدولية إلى درجات أثقلت كاهل الخزينة وجعلت إلغاء الدعم للمحروقات شراً لا بد منه.


 رغم كل ذلك، ما يزال الحديث عن إيجاد حل استراتيجي لتحسين أداء شبكة النقل العام محض كلام. لا خطوات ملموسة لتحقيق ذلك. ولا خطط تنسجم مع حجم المعضلة التي سيواجهها البلد إن استمر الوضع على ما هو عليه. وحتى خصخصة مؤسسة النقل العام فشلت في جعل وسائل النقل العام قادرة على تلبية الحدود اللائقة لناحية النظافة والفاعلية واحترام المواعيد.


لن يتجه المواطنون إلى استعمال وسائل النقل العام إلا إذا اقتنعوا بجاهزيتها. وهذا هدف لن يتأتّى إلا من خلال خطة شمولية مرتكزة إلى قراءة واقعية لحال شبكة النقل العام ومدركة لحجم الثمن الذي يدفعه اقتصاد البلد وبيئته نتيجة عدم فاعليتها.


التفكير الاستراتيجي كان، تكراراً، غائباً عن التخطيط الحكومي. وما ينطبق على شبكة النقل العام يجري أيضاً على المياه والبيئة والإصلاح التعليمي والاقتصادي والسياسي.


 لا يجوز أن ينحصر دور الحكومة في إطفاء الحرائق. واجبها أن تحسن قراءة التحديات الراهنة والمستقبلية وتضع الخطط لمواجهة التحديات والإفادة من الفرص. وآن للبلد أن يطور آليات مؤسسية للتخطيط المستقبلي. هذه منهجية عمل ضرورة لخدمة مصالحه.


 وإذا كان ثمن الفشل في اعتماد هذه المنهجية في معالجة أزمات السير والمياه أعباءً على المواطن والبيئة والاقتصاد، فإن عدم اعتمادها في مواجهة التحديات السياسية وإدارة عملية الإصلاح السياسي سيكون فوضى وإحباطا لا يمكن التنبؤ بتبعاتهما.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock