أفكار ومواقف

النقل في عمّان: ثقافة وواقعاً

ظهر أمين عمّان، عمر المعاني، على شاشة التلفزيون الأردني يوم الجمعة الماضي، فقال كلاماً مفيداً حول خطط الأمانة المستقبلية في مجال النقل العام، وأوضح أن ثمة مشاريع طموحة في مجال تحسين باصات النقل، واستحداث وسائط نقل جديدة منها القطار الخفيف والمترو، ستجعل واقع النقل العام في العاصمة، مختلفاً تماماً على مراحل، تتم أولها في غضون ثلاث سنوات.


هذا يعني أن التغيير لن يتوقف عند آليات النقل، بل سيشمل شكل عمّان الخارجي، وخريطة مناطقها وأحيائها، والأهم من ذلك أنه سيشمل نمط الحياة في عمّان ويغيّره نحو الأفضل، أو هكذا يُفترض.


قال المعاني إن نحو ستين بالمائة من سكان عمّان يستخدمون سياراتهم الخاصة في تنقلهم داخل المدينة، وهو رقم أكبر كثيراً من المتوسط المعروف في مدن العالم، التي تميل غالبية سكانها لاستخدام الوسائط العامة.


استخدام السيارات الخاصة، هو –أساساً- ما يُفاقم أزمة المرور في شوارعنا، لأن عدد السيارات يفوق الطاقة الاستيعابية للشوارع، ولا بديل –بالنظر إلى واقع البنية التحتية في عمّان ومحدودية فرص تطويرها- عن تخفيف استخدام السيارات، وإبدالها بوسائط النقل العام الجماعية، من أجل تقليل الآثار السلبية الناتجة عن الأزمة المرورية، على الاقتصاد والبيئة، بل وعلى مجمل الحياة الاجتماعية.


هذا التفسير للأزمة ولكيفية حلها، هو من أفضل ما طُرح خلال السنوات الأخيرة، فقد جرت العادة أن يلجأ مسؤولون وكتّاب إلى حثّ الناس على استخدام وسائط النقل العامة دون السيارات الخاصة، من دون مناقشة أسباب عزوف الناس عن النقل العام، برغم أنه في دول أخرى يوفر الوقت والمال والجهد، ويضمن سلامة التنقل أكثر من السيارات الصغيرة. وفي حالات أخرى، كانت ثمة دعوات لإجبار الناس على عدم استعمالات سياراتهم، عبر اقتراح آلية “الفردي والزوجي” أو غيرها، وكان ثمة انتقادات لسهولة متطلبات امتلاك السيارات الخاصة، وهو أمر ينطوي بالضرورة على دعوة مبطنّة لحصر امتلاك السيارة في فئة دون غيرها، هي طبعاً الفئة المقتدرة التي يفترض البعض أن على عموم الناس إفساح الشوارع لها، كي تتنقل من دون أزمة!


الفلسفة الجديدة التي تتبناها الأمانة، إذن، بحسب ما يُفهم من تصريحات الأمين، تقوم على محورين: أولهما تنويع وسائط النقل العام وتوسيع شبكتها، وثانيهما تحسين شروط النقل العام بما يغير “ثقافة التنقل” بين المواطنين، ويدفعهم للإقبال على استخدام الوسائط العامة، بعد اقتناعهم بأفضليتها على السيارات الخاصة.


وإذا كان المحور الأول يُعدّ من واجبات الأمانة الطبيعية والمسلّم بها، فإن المحور الثاني هو ما يمكن أن “يُحدث الفرق” كما يُقال، لأنه هو الموجه الحقيقي للسلوك. فعزوف الناس عن استخدام النقل العام، وإسراع كل من يملك مبلغاً كافياً من المال لاقتناء سيارة خاصة، يرتبط أساساً لا بضعف شبكة النقل العام وحسب، بل بسوء السلوك الملازم للباصات: من حيث تهور بعض السائقين، وفظاظة بعضهم في التعامل مع الركاب، ثم نقص النظافة داخل الباصات بشكل عام، وانتشار المظاهر غير الأخلاقية داخل الباصات وفي المجمعات الكبرى، إلى غير ذلك من سلبيات “ثقافية”، لا مادية.


لذلك، فإن تغيير واقع النقل العام يلزمه، إلى جانب توفير وسائط نقل جديدة ومتنوعة، توفير بيئة مختلفة داخل تلك الوسائط، من حيث السلوك والنظافة، وهو أمر لا يبدو ممكناً إلا بعد التخلص من الباصات الصغيرة والمتوسطة، والتحوّل من الاستثمار الفردي إلى الاستثمارات الجماعية الكبرى في النقل، بحيث لا يكون ثمة احتكاك مباشر بين السائقين من جهة، والركاب ومستخدمي الطريق من جهة أخرى. والله الموفق!


[email protected]

تعليق واحد

  1. فشة خلق بعيدة عن معركة الاولويه للاقوى!
    لا تعتبر مشكلة المواصلات وخارطة الشوارع العمانيه مشكله داخليه فقط، بل هي أيضا عامل أساسي لتشجيع السياحه و إعطاء صوره مشرفه عن سلوكيات المجتمع. اشكر الاستاذ سامر بعمق على طرح هذه القضيه التي سببت لي صدمات متتاليه خلال اجازتي الصيفيه هذا العام!! أنا على يقين تام أن معظم المواطنين يعانون من ضغوطات اقتصاديه وحصار اجتماعي، ولكن السؤال: هل يعتبر أسلوب القياده متنفس للتعبير عن هذه الضغوطات دون أدنى اعتبار للمشاه و باقي المركبات؟ من المدهش كيف يعتبر كل سائق في عمان أنه يمتلك الشارع، و من المدهش أكثر كيف يعتبر كل سائق أنه في معركه تحتم فرض حاله من التحدي و إثبات الذات! سلوكيات كثيره لا حصر لها باي شكل من الاشكال تعكس مشهد قاتم. بمجرد أن يوقظ كثير من السائقين محرك سياراتهم تغيب عن أذهانهم تماما كل قوانين القياده و تبقى الغلبه لقانون واحد " الشاطر بشطارته!" أنا لا أزعم ولكني أراهن أنه لو أخرجت يدك من نافذة مركبتك أثناء انتظار الضوء الأخضر أمام بعض الاشارات المروريه في العاصمه، ستتمكن وأنا على يقين من لمس السياره التي بجانبك! وأقل ما يوصف هذا المشهد الغير أمن أنه ثقافه قد تعكس مدى عمق الحس الاجتماعي و إدراك أهميه المساحات على المستوى الفردي. كما أن ظاهره تحدي الماره لها صدى يبشر بالخير في المناطق التجاريه في العاصمه! لسبب ما يصر كثير من السائقين ترك مسافة "أصبع" بين مركبتهم و عابر الطريق احتجاجا على فرض العابر فرصته في المرور. لا أدري إن اعتبر تعليقي ضرب من المبالغه ولكني أعيش في بلد يفرض علي قانونه أن أترك مسافه أمان تجعلني أرى دواليب السياره التي أمامي أثناء انتظار الضوء الأخضر، و أن الاولويه للفوز بمصف ما هي لمن أنار ضوء سيارته أولا!

    أما فلسفة سيارات الاجره فتعتمد بالدرجة الاولى على مزاج السائق، وترضخ لشروطه التعسفيه التي تتناسب والمسافه المطلوبه. لقد طرح الاستاذ محمد الوكيل في برنامجه الاذاعي ضرورة التزام سائق سياره الاجره بطلب الراكب، و ضرورة اعطاء الراكب معلومات السائق لاي شرطي في حالة انتقائية السائق للمسافات المطلوبه. ولكن ذلك ليس كافيا البته في تهدأة ثورة سائقين مركبات الاجره.

    تطوير وسائل النقل وتحسينها، وإعادة تشكيل خارطة عمان هي بادرة خير
    تشيح الستار عن أتباع خطى المدن الأكثر تطور، بتوفير مواصلات تلبي جميع خيارات المواطن، ولكن التخوف من أن هذه الوسائل الجديده التي من المفروض أن تشير لمدى التحضر الاجتماعي السائد، قد تكون عنصر مشجع على استخراج فلسفات وثقافات جديده تزيد من تهور السائقين وتكثف حالة العراك..فانا أحب عمان و أود لو أستمتع باجازتي وأنعم بالامان دون الخوض اليومي في معركة الاولويه للاقوى و الأقدر على خوض التحدي!

  2. الحل بنظام حافلات مميز وغير مرهق
    الأستاذ سامر أؤيد ما ورد بمقالك فالأزمة المرورية في عمان صارت خانقة وتشبها ما يحدث في مدينة القاهرة ، وفي الفترة الصباحية تتحول إلى معاناة حقيقية ، والسيارة ليست من عمان التي لها العدد الأكبر بل من ياقي المحافظات الذين يأتون إما لعملهم أو لمراجعة الدوائر الرسمية والخاصة . وذلك لأن النسبة الأكبر من المواطنيين عندما تتمكن من شراء سارة لا تتوانى عن ذلك وعن استعمالها والهدف الأساسي يكون دوما لأجل الوصول إلى العمل فنظام الحافلات العامة ضعيف لا يصل إلى كل المناطق دوما وبفترات متتابعة واستعمال سيارات التكسي أيضا له سلبيات كثيرة وعدم سهولة الحصول عليها ، وتكلفة الاستعمال اليومي لها .
    في الزرقاء مثلا تحتاج في وقت الذروة لنصف ساعة وأكثر كي تجد مقعدا لحافلة تتوجه إلى عمان ، وهذا سيحدث أيضا خلال وقت العودة من العمل وذلك تحت ظروف جوية صعبة إما مطر أو حرارة . وهذا عدى التوقف المتكرر الذي يستهلم وقتا اضافايا والتحميل الزائد للركاب مما يعيق راحة الجالسين وغيره من الظروف .هذا عدى سوء وعدم صيانة الكثير من الحافلات ونظاماها ، فما زالت مثلا حافلات النقل العام تتجه من مجمع المحطة إلى وسط البلد كي تتوجه إلى مناطق عمان الداخلية وتخيل كم ستستهلك من وقت وإرهاق نفسي . تختصره السايرة فهل لا ننتبه إلى مثل هكذا خطوة بأنها إجبارية حتى تشتري سيارة تتوجه بها إلى العمل كي تتخلص منها.
    المواطن سيتجه فورا على استعمال الحافلة لو وجد حقا نظاما سهلا يوفر عليه نقوده ولا يحتاج لوقت إضافي كبير وإرهاق جسدي ونفسي في الحافلات .

  3. عصب عمان
    اشكرك اخي العزيز على اثارة هذا الموضوع الذي نعيشه يوميا وبشكل مستمرنعم كما قلت ان سوء القيادة وسوء المعملة من قبل المركبات النقل تجعل منا كل يفكر في اقتناء مركبته الشخصية حفاظا على نفسهلانها غير امنة من كل النواحي فهكذا خطوة من قبل امانة عمان نحن بحاجة اليها من زمن لانه ليست لدى الجميع القدرة على شراء مركبة شخصيةفهي عصب عمان

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock