أفكار ومواقف

النكسة.. ذكرى مختلفة..!

اعتقدت دائماً كإيمان أن الانتصار الحاسم الذي حققه الفلسطينيون في صراعهم المرير مع الاستعمار الصهيوني والقوى العاتية المتحالفة معه، هو تمكنهم من مقاومة أشرس حملة يواجهها شعب بهدف تشتيته ومحو ذاكرته وإلغائه. وكان رهان المشروع الاستعماري-الاستيطاني الصهيوني في فلسطين يراهن على الفكرة التي عبر عنها ديفيد بن غوريون في 1948: “يجب أن نفعل كل شيء لضمان أنهم (الفلسطينيون) لن يعودوا أبداً. الكبار سيموتون، والصغار سينسون”. لكن إنهاء فكرة العودة على أساس نسيان الصغار لم تتحقق مطلقاً، وسيواجه العدو دائماً الفكرة المرعبة له: “ما ضاع حقّ من ورائه مُطالب”.
بطبيعة الحال، يدرك الفلسطينيون التعريف الخاص جداً للـ”انتصار” في تجربتهم. سيكون أي انتصار هو إلحاق هزيمة نهائية بالعدو وإحباط مشروعه، وهو الهدف الحتمي لنضال الفلسطينيين. لكن شرط تحقق الانتصار بهذا المعنى هو الانتصار على عوامل إخراج الفلسطينيين من الصراع، بالقضاء عليهم، أو تيئيسهم بتذكيرهم بالخسائر واختلال ميزان القوى. وهناك أصوات مشبوهة تقترح عليهم –من باب سوء نية أو من صفوف الذين غلبهم اليأس- أن “الكف لا تلاطم المخرز”. وثمة الذين يقولون: تعبنا من الموت والسجن والهدم والحرب. لكنّ المسألة لا تُحسَب –تاريخياً- بحسابات الأرقام وموازين القوى في الصراعات الوجودية. ما دمتَ حياً، ينبغي أن تدافع عن فرصتك في الحياة. والحياة للشعوب في كل زمان ومكان لا تتعلق بالبقاء الفيزيائي الفردي. إنها تتعلق بحيوية الروح والهوية والثقافة والمكان والمتعلقات العليا للبقاء البشري.
لذلك، يخوض الفلسطينيون صراعهم على أساس أنه حتمي وطويل وصعب. وهم يدركون أنهم يقاتلون القوة الاستعمارية المباشرة، والقوى الإمبريالية العالمية، والإغراء الداخلي بالتعب من التعب وإسبال اليدين، والدعوات إلى “الواقعية” -ليس بمعنى واقعية كفاح الشعوب من أجل هوياتها ووجودها، وإنما “واقعية” الذهاب إلى ثقب النسيان بسبب صعوبة الصراع- ومحاولة الآخرين نقل عدوى مللهم إلى الفلسطينيين للتخفف من بقايا ضمير.
في كل ذلك، كلما فعل الفلسطينيون شيئاً يعيدهم إلى دائرة الانتباه والنقاش كموجودين في العالم، يسجلون انتصاراً، حتى بكلفة الدمّ. وللأسف، أثبت جنوح الفلسطينيين إلى المُسالمة وحقن الدم أنه لم يحقن دمهم ولا يجلب لهم أي سلام. كانت الحصيلة هي تكريس كل ما هو مؤلم ومحزن وإلغائي، وإرسالهم هم وعذاباتهم إلى أطراف الأطراف، حيث يستهدفون دون أن يُعنى بهم أحد.
لماذا ذكرى النكسة هذا العام مختلفة؟ ببساطة لأنها جاءت في أعقاب اشتباك بشروط مختلفة. فقد أعلن الفلسطينيون أنهم موجودون ولم يَنسوا ولا يُمكن أن يُنسوا. وكان الذين أعلن مرة أخرى عن هذا الوجود هم الشباب الذين راهن
بن غوريون على أن ينسوا. وبرغم شيوع الانطباع بأن القضية الفلسطينية قد أُبعدَت، تبين أن الكثيرين في العالم ينتظرون أن يتشجع الفلسطينيون حتى يُقدّر الأنصار شجاعتهم. وكان التضامن العالمي والعربي مع الفلسطينيين تذكيراً بأن أحداً لا يسمع ولا يرى الذي يتلقى الضربات دون أن ينطق أو يحاول رد الضربة وإحداث ما ينبغي من الجلبة التي ينطوي عليها أي صراع غير محسوم.
كان صمود الفلسطينيين طوال هذه العقود يستحق كلفته، كما ينبغي لأي نضال وطني، كما تبيّن من التغيُّر الأخير في حرب الروايات. لم يعد من غير المألوف سماع أصوات متكاثرة في الولايات المتحدة نفسها، تطالب بمراجعة “العلاقة الخاصة” مع كيان غير أخلاقي، والانتباه إلى معاناة شعب تحاربه الولايات المتحدة كل الوقت وأكثر من أي أحد آخر. ولم يعد من المستغرب الحديث عن فلسطين التاريخية وحتمية العودة. ولم يعد من المبرر أن يطبّع العرب مع العدو على أساس أن القضية الفلسطينية قد صُفيت وعليهم أن يتعاملوا مع الناجي. ولم يعد بإمكان أصوات التيئيس أن تعلو في المناخ الانتصاري الذي عاد فيه الفلسطينيون بقوة إلى الاشتباك بوحدة جديدة وأدوات جديدة.
الذي جعل ذكرى النكسة مختلفة هذه المرة هو عودة الكفاح الفلسطيني المسلح من داخل فلسطين، كما ينبغي لكل حركة تحرر وطني من استعمار عسكري كله. وبقي أن يطور الفلسطينيون الأدوات والقيادة الواعية التي تدرك أهمية كل الأدوات. وربما يكون هذا العام قد بدأ شيئاً يستحق أن يُتابع، بعيداً عن النكبة والنكسة، واقتراباً من الحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock