أفكار ومواقفرأي اقتصادي

النموذج الفكري ومؤشرات التمويل الإسلامي (6-2)

في مقالتنا السابقة والمنشورة في هذه الزاوية من “الغد”، تحدثنا عن النموذج الفكري ومؤشرات نمو التمويل الإسلامي، وتمت الإشارة الى خمسة مؤشرات، نتناول اليوم المؤشر الأول والمتمثل بالتنمية الكمية للتمويل الإسلامي، فخلال السنوات الأخيرة وخاصة ما بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي اندلعت في العام 2008 شهدت مؤسسات التمويل الإسلامي نموا كبيرا ومتسارعا بعد أن أثبتت هذه المؤسسات قدرتها ولو بشكل نسبي على الصمود في مواجهة هذه الأزمة وبدأنا نشاهد الاهتمام الواسع بها في الأسواق المالية العالمية ومحاولة الاستفادة من منتجاتها المالية الإسلامية خاصة منتج الصكوك الإسلامية، وهذا بطبيعة الحال انعكس على حجم أصولها حيث قدرت بما يزيد على تريليوني دولار.
وحسب وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بوزر” لدراسة نشرت منها بعض الأرقام في العام 2019؛ أي قبل جائحة كورونا، أشارت الى توقع ارتفاع قيمة الأصول الإسلامية بواقع “56 % ليصل إلى مستوى 3.8 تريليون دولار بحلول العام 2023، منها 2.44 تريليون دولار كأصول للمصارف الإسلامية”، وحسب التوزيع الجغرافي لهذا النمو، أشارت الدراسة نفسها التي تحدثت عنها وكالة “ستاندرد آند بوزر” إلى أن التمويل الإسلامي العالمي يتركز بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحسب البيانات التي أوردتها هذه الدراسة “فإن أسواق الخليج العربي تستحوذ على حصة تبلغ 40.3 % من أصول المؤسسات المالية الإسلامية حول العالم، فيما تستحوذ باقي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على حصة تبلغ 38.6 % من إجمالي الأصول المالية الإسلامية، وتستأثر منطقة آسيا على حصة تبلغ 18.7 % من الأصول الإسلامية، بينما تستحوذ أفريقيا على حصة 0.8 %، وتسيطر أسواق أوروبا وأميركا وأستراليا على حصة تبلغ 1.7 % من الإجمالي”. في الوقت الذي يقدر فيه عدد عملاء المصارف الإسلامية حول العالم بحوالي 100مليون متعامل، وهذا الرقم، حسب مؤشر النمو الكمي، متواضع، إذا ما قارنا البيئة الجغرافية وأعداد السكان فيها من المسلمين إضافة الى طموحها لكسب عملاء أكثر من غير المسلمين الراغبين في الحصول على معدلات ربح أفضل لاستثماراتهم.
فها هي مصارفنا الإسلامية تتواجد اليوم في أكثر من 60 بلدا في العالم ولها مكانة متقدمة في الاقتصاد العالمي ومكانة مهمة في الأسواق المالية العالمية لما تتمتع به من قدرة آمنة على استقطاب المدخرات ثم توجيهها الى استثمارات حقيقية تصب في مشارع تنموية في بلدانها إضافة الى تنوع أدواتها التمويلية الشمولية، هذا إذا علمنا بوجود أكثر من 2000 مؤسسة مالية إسلامية، فيها مصارف إسلامية، ونوافذ للخدمات المصرفية الإسلامية في البنوك التقليدية، وشركات التكافل، ومؤسسات مالية إسلامية أخرى، مثل شركات التمويل والاستثمار وما إلى ذلك، ويتضح لنا من هذا أن قطاع التمويل الإسلامي يعد الأكثر تطوراً ونمواً بين القطاعات الأخرى؛ حيث يُقاس أداؤه ونموه بالاعتماد على قيمة الأصول المالية الإسلامية ولهذا ينظر الى عامل النمو كمؤشر للنمو الكمي لهذا القطاع، رغم ذلك إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه الكثير من التحديات التي تعترض تطوره ونموه ليصبح منافساً متكافئاً مع المصارف، فهو ما يزال يحتل نسبة متواضعة مقارنة مع قطاع التمويل التقليدي في الأسواق المالية العالمية، على الرغم من تحقيقه نمواً متسارعاً وملحوظاً مع بدايات السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين، كما أنه يواجه تحديات جادة تتمثل في بطء الابتكار في المنتجات المالية والضوابط الشرعية والتشريعية والتي سنتكلم عنها لاحقا مع مؤشر تطور التكنولوجيا المالية، خاصة ما يتعلق بتحسين وتطوير نوعية الخدمات.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

زر الذهاب إلى الأعلى