أفكار ومواقفرأي اقتصادي

النموذج الفكري ومؤشرات نمو التمويل الإسلامي (4 – 6)

غسان الطالب*

في المقالات السابقة تحدثنا عن النموذج الفكري ومؤشرات نمو التمويل الإسلامي فتطرقنا لمؤشر التنمية الكمية ومؤشر المعرفة، ونتناول اليوم مؤشر الحوكمة كأحد أهم مؤشرات نمو هذا القطاع كأداة رقابة وضمان للجودة بعد أن شاهدنا تطوره ونموه السريع وفي ارجاء مختلفة من العالم، فمفهوم الحوكمة في العلم الحديث يرتكز على مبدأ الإدارة الرشيدة والتي هي عبارة عن الأفعال التي ُتدار بها الشركات والقدرة على التحكم الجيد لإدارة أعمالها، كما إنها تؤدي إلى عملية توازن بين أهداف المؤسسة، سواءً أكانت اقتصادية أو اجتماعية، مع مصالح الأفراد، ثم الاستخدام الكفؤ للموارد المتاحة من خلال توفير رقابة محاسبية سليمة توفر البيانات المطلوبة كافة للمساءلة عن طريقة إدارة موارد هذه المؤسسة. بمعنى آخر التوفيق بين أهداف صاحب رأس المال والشركة وأهداف المجتمع المرجوة من قيام هذا المشروع؛ أي أنها تمثل مجموعة من الأسس والقوانين التي تحكم عمل الشركة والنظام المتبع لديها، إذاً هي تمثل مجموعة من الأدوات والإجراءات المنظمة لطبيعة العلاقات بين الأطراف المتمثلة في المالكين للمؤسسة ونظام الرقابة والمسؤولية التي تهدف إلى تحديد استراتيجية فاعلة لأداء الشركة.
على الرغم من حداثة هذا المصطلح وظهور الحاجة إلى تطبيقه في المؤسسات المالية بهدف حماية الأموال الخاصة وضمان سلامة النظام المصرفي، خاصة بعد تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في العديد من المؤسسات المالية الخاصة منها والعامة. وهذا ما يفسر أحياناً حالات الإفلاس والانهيار للعديد من المصارف والمؤسسات المالية والتي كانت تمتلك مراكز نفوذ مالي ومصرفي، وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد من منطلق الحرص على تجربتنا المصرفية الإسلامية واتخاذ الإجراءات الاحترازية والضرورية كافة لضبط وسائل الرقابة وتطبيق مبدأ الحاكمية لضمان حماية أصول هذه المصارف وحماية حقوق المساهمين والمودعين، وكذلك سلامة المركز المالي لها، خاصة أن المودعين أصحاب الودائع الاستثمارية يتعرضون لمخاطر كبيرة بسبب طبيعة الاستثمار المبني على أساس المشاركة في الربح والخسارة. وهنا نود التأكيد أن أحكام الشريعة الإسلامية صريحة في تحديد العلاقة بين الأطراف كافة المكونة للنظام المصرفي الإسلامي والمتمثلة في العدالة، المسؤولية، المساءلة والشفافية.
إذا الحوكمة في المصارف الإسلامية يحكمها الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، على عكس ما هو موجود في المصارف التقليدية المبني على هدف تعظيم الربح حيث تلتزم المصارف الإسلامية بمبدأ المشاركة في الربح والخسارة وعدم المتاجرة بالديّن إضافة إلى ما تتميز به هذه المصارف الإسلامية من وجود هيئة الرقابة الشرعية التي تعمل على التأكد من مطابقة عمليات المصرف الإسلامي مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وهذا بحد ذاته يمثل ركنا مهما من أركان الرقابة والمساءلة والشفافية، حيث لا تنظر هذه الهيئة إلى الربح المتحقق من العملية بل يهمها مشروعيتها وانسجامها مع الفلسفة الإسلامية، ما يؤثر مباشرة على اختيار المصرف لنوع الاستثمار والابتعاد عما هو محرم أو يوجد فيه شبهة الحرام. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض العائد من عمليات المصرف، لكن في الوقت نفسه فإنه يبعث على الثقة والطمأنينة لدى المودعين ويدفعهم إلى توجيه مدخراتهم إلى المصرف الإسلامي، وبالنتيجة يخلق حالة من التنافس الشديد مع المصرف التقليدي.
إن التوسع السريع والكبير في المصارف الإسلامية يتطلب اليوم إعادة النظر في المفاهيم التي بدأت بها المصارف إدارة أعمالها، عندما كانت مشاريع فردية وصغيرة الحجم، وأصبحت اليوم من الركائز الأساسية للاقتصاد الإسلامي. ولا بد من إيجاد الصيغ التشريعية والرقابية المناطة بالمصارف المركزية لضمان جودة أدائها ويحقق لها المزيد من النجاح وتقديم العمليات المصرفية التي تحقق لها قدر عالٍ من التنافسية، وهنا يمكنن القول أن الحاكمية المؤسسية توفر أفضل القواعد والنظم والإجراءات التي تعزز الثقة في المصرف في مختلف أنشطته، العدالة والمسؤولية والمساءلة والشفافية وتوفير الثقة والطمأنينة لمتعامليها وبذلك تكون أحد أهم المؤشرات على نمو وتطور قطاع التمويل الإسلامي.


*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock