تحليل إقتصادي

النمو الاقتصادي والعدالة الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الدكتور جهاد أزعور*

واشنطن– يمثل تصاعد التوترات والاحتجاجات الاجتماعية في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إشارةً واضحة لعدم تحقق تطلعات شعوب المنطقة للفرصة والرخاء والعدالة حتى الآن.
ورغم أن هذا الشعور بالإحباط أمر مفهوم، بل بسبب هذا الإحباط بالذات، فسيكون من الخطأ التراجع عن العملية الجارية للإصلاح الاقتصادي.
والواقع أن الإصلاحات هي مفتاح معالجة المشكلات الجوهرية التي تثقل كاهل الكثير من بلدان المنطقة منذ وقت طويل، وهي النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفساد، غير أن على الحكومات، وهي بصدد تنفيذ الإصلاحات، أن تتأكد من أنها متوازنة اجتماعياً وتسير في تسلسل ملائم؛ والأهم من ذلك أن عليها تحقيق الحياة الأفضل التي ينشدها الجميع، وخاصة الفقراء ومحدودي الدخل.  
وهذا هو التحدي الذي يواجه المنطقة اليوم، وهو تحدٍ يسعى الصندوق إلى مساعدة بلداننا الأعضاء على مواجهته.
السياق الواسع
قد ظل العديد من البلدان يرزح لعدة عقود تحت وطأة النموذج القائم على رعاية الدولة والذي يدعم فيه القطاع العام وظيفة من كل خمس وظائف، ولم يقتصر الأمر على فشل هذا النموذج في تحسين جودة الخدمات العامة كالصحة والتعليم، بل إنه أسفر عن تقلص حاد في قدرة الحكومات على تمويل البرامج الاجتماعية الموجهة للسكان محدودي الدخل والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية. وفي الاقتصاد العالمي الديناميكي الذي يؤدي فيه القطاع الخاص دورا متزايدا في توليد النمو وفرص العمل، أصبحت تكلفة هذا النظام أكبر مما يمكن تحمله، وأصبح عاجزا عن خلق الوظائف والفرص التي يحتاجها المواطنون. 
وفي السنوات الأخيرة، تفاقم الموقف بسبب سلسلة من الصدمات – الصراعات المطولة والهجمات الإرهابية، وهبوط أسعار السلع الأولية، وانخفاض النمو لدى الشركاء التجاريين الأساسيين. وزاد تراجع الأداء الاقتصادي في المنطقة بسبب انخفاض الإنتاجية بدرجة مزمنة واستشراء الفساد المتوطن، وأدى هذا بكثير من البلدان إلى حالة من العُسْر المالي الشديد الذي يفرض المفاضلة بين خيارات بالغة الصعوبة.
هذا إذاً هو السياق الاقتصادي العام الذي يشكل إطارا لتحديات اليوم. وتتطلب معالجة هذه التحديات تحقيق تقدم على عدة جبهات. 
والأهداف الأساسية لا تزال واضحة: خلق وظائف (وخاصة في القطاع الخاص)، وتحسين مستويات المعيشة، وتشجيع النمو المستدام، ولكن البلدان لن تستطيع تحقيقها إلا إذا حافظت على ترتيب بيتها الاقتصادي من الداخل، ويعني هذا السيطرة على الدين والتضخم لتشجيع الاستثمار والنشاط الاقتصادي.  
ويقودنا هذا من جديد إلى أهمية الإصلاحات إذا كانت جيدة التصميم، وملائمة التوقيت، ومطبقة بالتساوي على كل شرائح السكان. 
أولويات الإصلاح
وتشمل أولويات الإصلاح، الحد من الفساد، وتشجيع المنافسة العادلة من خلال التجارة والتنظيم الأفضل، وتحسين فرص الحصول على التمويل حتى تزدهر الشركات الصغيرة والناشئة، والاستثمار في المهارات – وخاصة مهارات الشباب – لمواكبة احتياجات الاقتصاد الجديد عن طريق تحديث التعليم والتدريب ومساعدتهم في العثور على وظائف.
وضمان الفرص للجميع عن طريق الإنفاق المتكافئ والداعم للنمو والنظام الضريبي العادل، وكذلك تعزيز حقوق المرأة القانونية، وكذلك تلبية احتياجات اللاجئين للطعام والمسكن والتعليم والعمل.
وليس من السهل تحقيق أي من هذه الأمور، وربما تكون المسألة الخلافية في هذا الصدد هي كيفية تحصيل الدولة للضرائب وإنفاقها للإيرادات.
ولا يوجد خيار أمام كثير من البلدان سوى تحقيق موازنات متوازنة؛ فلا يمكن الاستمرار في مراكمة الدين العام لتمويل نفقات غالبا ما تكون غير منتجة. وقد جاءت خدمة هذه الديون على حساب الإنفاق الحيوي على الصحة والتعليم، مما يعني أن عبء هذه الفاتورة سيقع على الأجيال القادمة. 
إن عدم المسؤولية المالية ليس فقط منافٍ للحكمة، إنما يفتقر إلى العدالة أيضا. والتحدي الذي يتعين مواجهته في هذا الخصوص هو القيام بالتصحيح الضروري على نحو متوازن وبوتيرة ملائمة وبطريقة تتناسب مع ظروف كل بلد. وهذا ما يستطيع الصندوق المساعدة في تحقيقه.
تصميم الإصلاحات وفقا لظروف كل بلد
ففي البلدان التي تمتلك فيها الحكومة احتياطيات وقائية كبيرة، كما هو الحال في الخليج والجزائر على سبيل المثال، حث الصندوق على تخفيض العجز بالتدريج. 
وفي البلدان التي بلغ فيها الدين العام مستوى مرتفعا ومتصاعدا بالفعل، مثل مصر وتونس، قدم الصندوق التمويل حتى تتمكن من إجراء الإصلاح المالي المطلوب بصورة أكثر تدرجا مقارنة بما يقتضيه الحال في غياب هذا التمويل وبسعر فائدة أقل مما يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى. وينبغي أن يتيح الدائنون الخارجيون الآخرون متنفسا أكبر لهذه البلدان من خلال التمويل بشروط مواتية، ويفضل أن يكون في صورة منح.
ونحن نسعى أيضا إلى مراعاة الظروف الاجتماعية/السياسية – كما حدث مع تونس، حيث قمنا بتخفيض هدف المالية العامة، رغم تكلفة ذلك من حيث الدين والتضخم.  
ولا شك أن معالجة مسألة الاستدامة المالية لا تقتصر على تخفيض عجز الموازنة، بل ترتبط أيضا بالطريقة التي تختارها الحكومة لتحقيق الهدف. ويعتبر النظام الضريبي آلية بالغة الأهمية – سواء لزيادة الإيرادات (بما في ذلك الإيرادات المطلوبة لتمويل النفقات الاجتماعية) أو لضمان توزيع العبء المالي توزيعا عادلا على مختلف شرائح السكان.
وقد شكل هذا الأمر مشكلة بالنسبة لكثير من بلدان المنطقة، وهو ما يرجع جزئيا إلى الإيرادات المحلية شديدة الانخفاض –  حوالي 10 % من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط – والاقتصار في تحصيلها على قلة من دافعي الضرائب.
ففي الأردن، على سبيل المثال، تشكل الأسر التي تدفع أي نوع من ضرائب الدخل الشخصي  5 % فقط من مجموع الأسر. ومن المفهوم أن الناس لا ترغب في دفع المزيد إذا رأت في النظام محاباة للأثرياء. 
ومن ثم ينبغي بذل مزيد من الجهود لمكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وجعل النظام الضريبي أكثر تصاعدية. وغالبا ما تتضمن المشورة التي يقدمها الصندوق بشأن السياسات توصيات لتحقيق هذه الأهداف. 
وفي البرامج التي ندعمها، حرص الصندوق على توجيه اهتمام متزايد لحماية الأقل دخلا من أثر الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق. ففي تونس، على سبيل المثال، توسعت الحكومة في برنامج التحويلات النقدية لأصحاب الدخول المنخفضة، فضاعفت عدد الأسر المستفيدة وزادت متوسط التحويلات بمقدار ثلاثة أضعاف، كما تجري مراقبة الإنفاق الاجتماعي الكلي من خلال حد أدنى للإنفاق في البرنامج الذي يدعمه الصندوق. 
وفي مختلف أنحاء المنطقة، دعا الصندوق لتخفيض دعم الطاقة المكلف، لماذا؟ لأن هذا الدعم يعود بالنفع على أثرياء المجتمع في الأساس، ومن المهم أيضا أن الصندوق حث بقوة في نفس الوقت على تجنب تخفيض الدعم الغذائي، كدعم الخبز في الأردن وتونس مثلاً. 
ومرة أخرى، حتى تكون برامج الإصلاح فعالة، ينبغي أن تُصمَّم بما يتلاءم مع ظروف كل بلد وأن تتبناها الحكومة بشكل كامل، ومن العوامل الأساسية في هذا الصدد أن يتم التشاور مع أهم الأطراف المعنية – بما فيها المجتمع المدني – وهي سمة أصبح الصندوق يحرص على وجودها في البرامج التي يدعمها حول العالم.
طريق المستقبل
ولا تزال المنطقة تواجه تحديات جسيمة، ولكن البلدان حققت تقدما في التصدي لها منذ الربيع العربي، فقد حافظت المنطقة على استقرارها الاقتصادي بوجه عام رغم الظروف بالغة الصعوبة؛ ومن ثم بدأ النمو يتحسن والتضخم يستقر، كما بدأ تراكم الدين العام يتراجع في معظم البلدان.
ولعل الأكثر مدعاة للتفاؤل هو ما يبديه سكان المنطقة الشباب والموهوبين من رغبة واضحة في تحسين مستقبلهم بأيديهم. ومع إتاحة فرص التعليم والتوظيف الملائمة، يمكن لهذا الجيل الجديد أن يحقق نموا اقتصاديا غير مسبوق، ومن المشجع أيضا أن عددا متزايدا من صناع السياسات في مختلف أنحاء المنطقة يضعون النمو والوظائف في صدارة جدول الأعمال المعني بالسياسات. 
وهذه هي الخلفية التي يقام عليها مؤتمر إقليمي ينظمه الصندوق – بالاشتراك مع صندوق النقد العربي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وحكومة المملكة المغربية – في مدينة مراكش أواخر هذا الشهر. وفي هذا المؤتمر سنناقش مع صناع السياسات والقطاع الخاص والمجتمع المدني كيفية القيام بالمزيد لتفعيل جدول أعمال يستهدف النمو الاحتوائي. 
إنها مهمة عاجلة، بل إن فترة الصعود الاقتصادي العالمي الذي يشمل نطاقا واسعا من البلدان في الوقت الراهن تتيح – للمنطقة وغيرها من أنحاء العالم – فرصة تحقيق تقدم في الإصلاحات التي تأخرت لوقت طويل.  فالتراجع عن الإصلاحات أو حتى تأخيرها هو الخيار الخاطئ والذي لا يزال يضر بالأجيال المقبلة، ومن ثم ينبغي أن نكفل استمرار الإصلاحات والمساواة في تطبيقها على الجميع مع مراعاة انعكاساتها الاجتماعية، وتنفيذها على مراحل متدرجة في حدود الموارد المتاحة وحسب الظروف الاقتصادية السائدة. 
إن شعوب المنطقة تطالب عن حق بالنمو والعدالة الاقتصاديين، وهو جهد يهدف الصندوق لمساعدة البلدان على إنجازه.

*مدير منطقة الشرق الأوسط وآسيا في صندوق النقد الدولي

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1805.95 0.3%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock