أفكار ومواقف

النواب والحكومة.. مأزق مشترك

دخلت الحكومة مبكراً في دوامة استرضاء مجلس النواب، ومحاولة الحصول على علاقات معقولة تكفل لها ان تبدأ عملها الذي لم يبدأ. وتواجه الحكومة حالة قليلة الحدوث، وهي أنها وجدت امامها منذ اللحظة الاولى اكثر من ثلث اعضاء المجلس في تكتل يرفضها، ويعلن انه لن يمنحها الثقة. هذا التكتل ليس من المعارضة التقليدية، بل من التجمعات والافراد المحسوبين على الموالاة والقريبين من كل الحكومات. وقد قدم هؤلاء النواب اسباباً تبدو مقنعة لموقفهم المضاد للحكومة، ليس فقط على خطئها في نسيان العديد من المناطق الجغرافية والسكانية الاردنية، بل على قضايا سياسية اخرى تتعلق بتركيبتها وتجاهلها لمجلس النواب في التشاور، الى حد لم يكن فيه المجلس على اطلاع اكثر مما هو لدى اي متابع.



ورئاسة المجلس تبدو مضطرة ايضاً الى اتخاذ موقف قوي تجاه الحكومة لأنها تعرضت الى موقف محرج على الصعيد الشخصي، عندما لم تعلم بالحكومة الجديدة إلا كما علم الناس، كما انها لا تستطيع ان تدافع عن حكومة يقف الكثير من النواب المحسوبين على رئيس المجلس موقفاً سلبياً منها، هذا اذا افترضنا ان تحرك هذه المجموعة لا يحظى بدعم وتشجيع رئيس المجلس. ولعل الكلام القوي الذي تحدث به المجالي امام جلالة الملك في لقائه مع رؤساء الكتل واللجان، يؤكد ان رئيس المجلس يتبنى موقف مجموعة الاربعين المتزايدة.



تحاول الحكومة ان تخرج من عزلتها البرلمانية عبر محاولة استرضاء الاسلاميين، الذين يعملون على استغلال الوضع الصعب للحكومة لتمرير بعض مطالبهم السياسية وغير السياسية. ويخدمهم في محاولتهم هذه سعي الحكومة إلى ان تظهر بعكس سابقاتها في بعض القضايا، ومنها قانون النقابات، وكأن معيار الحكومة الناجحة هو هذا القانون فقط! وربما يدور في ذهن الرئيس حلم عقد صفقة سياسية على شاكلة تلك التي عقدها شقيقه مضر بدران عام 1990 مع النواب الاسلاميين. لكن هذا الحلم بالحصول على ثقة الحركة الاسلامية يفرض على الحكومة الاستعداد لدفع ثمن كبير، حتى وان كان بعضه لفظياً، مثلما قدم مضر بدران ثمناً غير ملموس في قضية تطبيق الشريعة والموقف من المفاوضات مع اسرائيل، لكنها كلمات فرحت بها الحركة الاسلامية آنذاك رغم ادراكها انها ليست ذات مضمون. وما يماثل هذا الحال قضية قانون الانتخابات المنشود، مع افتراض ان قضية تطبيق الشريعة لم تعد مطلباً ملحاً على اجندة النواب الاسلاميين وتحولها الى مطلب تاريخي لا يخدمه الواقع. كما ان التفكير باعطاء الثقة للحكومة سيعني رضى عن كل ما هو متوقع منها، لا سيما القرارات الخاصة بمعيشة المواطن.



وكما ان الحكومة في مأزق فإن النواب الموقعين على مذكرة حجب الثقة هم في مأزق ايضاً. فبعض الاوساط السياسية تراهن على تفكك هذا التجمع، وان تتقدم الحكومة ببعض الوعود بالتعديل المؤجل، او الانفراد بمجموعات جزئية او افراد من هذا التجمع، بما يؤدي الى تضييق قاعدة القواسم المشتركة بين هذا التجمع النيابي. واذا افترضنا ان الدورة الاستثنائية ستعقد في نهاية ايار او حزيران فهل سيبقى هذا التجمع صامداً على موقفه، ام ان تدخل (اهل الخير) سيحوله الى قوة صغيرة؟ وقد يكون الخيار ان لا تعقد الدورة الاستثنائية اذا كانت القراءات لا تؤكد للحكومة قدرتها على الحصول على الثقة.



علاقة الحكومة مع النواب ضربة قوية لاولوياتها وقدرتها على ترجمة ما تحدثت به عن الاصلاح. فقد تقضي اسابيع طويلة وهي تحاول ارضاء النواب والحصول على ثقة معظمهم، والتي قد لا تنالها رغم المجاملة للاسلاميين، الذين هم خصوم تاريخيون، ما زالوا يحملون قصة كلية الشريعة في جامعة اليرموك وما جرى من احداث عام 1986، لكن المهم انها تدخل معارك ليس في ارضاء الاردنيين وتقديم الجديد والايجابي لهم، وانما في حل مشكلات صنعتها الحكومة بيديها، تماماً مثل من يرسم حول نفسه مربعاً من الرمل ويقرر حبس نفسه فيه. واذا كانت ثقة النواب ممكنة فإن المهم هو ثقة الاردنيين، الذين لم يجدوا جديداً او مدهشاً فيما يجري، وينتظرون القرارات الاقتصادية الخاصة بكاز الشتاء وغاز الطعام وبنزين السيارة والباص.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock