آخر الأخبار حياتناحياتنا

الهاتف الأرضي.. صندوق للذكريات وكبار السن أكثر المتمسكين به!

منى أبوحمور

عمان- هي قصص لا تنتهي، من ذكريات حملها الهاتف الأرضي عبر أزمان مضت، في وقت كان فيها وسيلة الاتصال الوحيدة لكي يعلم الفرد ما يدور حوله ومحيطه، ويطمئن على عائلته وأقاربه وأصدقائه، وحتى بتلقي رسائل الحب والاهتمام التي كانت تحمل نكهة مختلفة في حينها. حينما كان يرن جرس الهاتف البيتي؛ كان يركض الصغير قبل الكبير، ليعلم من المتصل وما يحمله بجعبته من أخبار جديدة، وقصص مفرحة، أو انتظار رد على أمر ما “يشغل البال”. كما كان كل أفراد العائلة بالمنزل على قائمة الانتظار بعضهم لبعض، لأن كل واحد منهم ينتظر اتصال من أحدهم او اجراء مكالمة، فكانت التفاصيل الجميلة لا تنتهي مع الهاتف، حتى حينما كان يسترق أحدهم مكالمة لا يريد أن يسمعها غيرهم.
ومع تطور الوقت؛ بدأ الهاتف الأرضي يفقد مكانته شيئا فشيئا؛ واحتل “الموبايل” مكانته، لدرجة دفعت الكثيرين لإنهاء اشتراكاتهم الارضية، لأن وجودها لم يعد مهما، وكل واحد أصبح لديه هاتفه الخاص، ولكن ومع كل ذلك، فإن أكثر المتمسكين به لحد الآن هم كبار السن، الذين لا “يسترسلون” بالحديث إلا عبر الهاتف الأرضي.
وما يزال يحمل الهاتف الأرضي الذي تحول لتحفة فنية أو قطعة أنتيك في كثير من منازل الأردنيين، يحمل قصصا وذكريات سعيدة وأخرى حزينة، تفاصيل حياة وبجعبته الكثير من القصص والقرارات وأخبار الجيران ولهفة مغترب كان الهاتف الأرضي ملاذه الوحيد للاطمئنان على عائلته.
ورغم ثورة الهواتف النقالة التي غزت البيوت وأصبحت جزءا أساسيا من ممتلكات الأفراد، إلا ان هناك عشرات الأسر ما تزال تحتفظ بالهاتف الأرضي وترفض الإستغناء عنه ومنهم من تطرب أذنه لسماع رنته وآخرون لايجدون في الهاتف النقال بديلا عن الهاتف الأرضي.
فترة زمنية جميلة تربط الأجيال بالهاتف الأرضي تعصف في ذاكرة الأسرة الأردنية عندما يتردد ذكره أمامهم فيأخذهم الحنيين إلى أيام خلت، رنة الهاتف في البيت لها الكثير من القصص وفق الثلاثينية نادين السيد التي ما تزال تحتفظ أسرتها بالهاتف الأرضي إلى يومنا هذا. وتعزو السيد بقاء الهاتف الأرضي إلى تعلق والدتها به وإصرارها على بقائه شغالا، معتبرته جزءا لا يتجزأ من المنزل.
في حين لم تتمالك السبعينية أم إياد نفسها عندما فصل الهاتف الأرضي من منزلها وتم استبداله بآخر نقال، فجزء كبير من الذكريات ترتبط بهذا الهاتف، فكان هو وسيلة الاتصال والاطمئنان على ابنها الذي كان يدرس الطب في روسيا، وكانت تلتف أفراد عائلتها حول الهاتف منتظرة رنته للتواصل معه. لذلك طلبت من أبنائها إعادة الاشتراك فورا، وأن من يريد أن يتحدث معها فإن ذلك يكون عن طريق الهاتف الأرضي، لأنها لم “تستسيغ” الهاتف الخليوي أبدا.
في حين كان رنة الهاتف الساعة الثانية ظهرا مميزة لعائلة الثلاثينية ميساء مرعي مستذكرة تلك الايام عندما كان يتصل والدها للبيت مستفسرا إن كان ينقصهم أي شيء، وكان بمثابة طقس يومي.
من جهة أخرى هناك العديد من تفاصيل يومية يتشاركها الكثير من الأسر التي كان لديها هاتف أرضي وبين رفع السماعة كإجراء لمواجهة الإزعاج أو سحب السلك من الكهرباء لقطع الحرارة عن الهاتف أو وضع السماعة إلى جانب الهاتف بوضعية المشغول؛ كلها فنون أبدع بها العديد من الامهات والآباء لتقنيني استخدام الهاتف الأرضي وربطه فقط للضرورة.
أخصائي علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان يشير بدوره إلى التطور الكبير الذي حدث في وسائل الاتصال خلال الأعوام الماضية، حيث اصبحت متوفرة بكثرة وفي متناول الجميع، كما أن تكاليف الاتصال انخفضت عما كانت عليه سابقا، مما جعلها اكثر انتشارا.
وقبل الأجهزة الخلوية، كانت الهواتف الأرضية هي وسيلة الاتصال الأكثر شيوعا، وإن كانت في بداياتها غير موجودة في جميع المنازل باعتبار ارتفاع تكاليف الاشتراك والمكالمات، كما ان الحصول عليه لم يكن بالأمر السهل.
وكان البعض يذهب الى منزل جاره أو صديقه لإجراء مكالمة لعدم توفر هاتف ارضي لديه، وفي اواخر فترة انتشار الهواتف الارضية وضعت بعض شركات الاتصالات “كابينات” للاتصال في بعض الشوارع والاماكن العامة.
وبالرغم من عدم انتشار الهواتف الارضية بشكل كبير كما في الهواتف الخلوية؛ إلا ان الكثير ممن يعيشون فترة انتشارها ما يزالون يستذكرون تلك الايام، وخصوصا كبار السن منهم باعتبار ان الهواتف الارضية كانت تعتبر نقلة نوعية في التواصل مع الآخرين، بعد ان كان التواصل يتم عبر الانتقال الى مكان الشخص الآخر وفق سرحان.
الهواتف الأرضية، بالنسبة للكثير من العائلات مرتبطة بذكريات كثيرة من حيث العلاقات الاجتماعية وتطور الحياة والتفاصيل البسيطة، فكثير منهم يفضلون بقاءها في المنازل بالرغم من وجود “الموبايل” مع جميع افراد الاسرة وامكانية الاتصال من اي مكان ومع اي شخص وفي اي وقت.
والانسان بطبيعته، وفق سرحان، يميل للاحتفاظ بالأشياء التي تربطه بالماضي وتذكره بالأيام السابقة وفترة الشباب، حتى وان اصبحت قديمة، لافتا الى أنها تحمل في داخلها كثيرا من الذكريات، تذكر صاحبها بتفاصيل الحياة والأيام الماضية، وهذا التاريخ حتى لو كان فيه كثير من المشقة والصعوبات يبقى ماثلا في ذهن الانسان، كما يحدث ابناءه واحفاده عنها بأدق تفاصيلها.
ولعل الهاتف الأرضي عند كبار السن يذكرهم بتواصلهم مع الأقرباء والأصدقاء حتى من هم خارج الوطن، وكيف كان الشخص ينتظر المكالمة للاطمئنان على أحدهم، وتفقد احواله، وكيف كان افراد الاسرة يتناوبون على الحديث واحدا تلو الآخر. وحتى الآن تحتفظ كثير من الأسر بالهاتف الارضي حتى وان لم يكن مفعلا، وذلك جزء من المقتنيات والذكريات التي تنتقل الى الابناء والاحفاد.
وكثيرا ما يستفسر الاحفاد الذين لم يتعاملوا مع الهواتف الارضية عن هذا الجهاز واستعماله ولماذا هو موجود في المنزل وكيف يعمل، مما يستوجب على الاهل توضيح أهميته، ونقل الذكريات لهم، ليكونوا على تواصل مع زمن مضى.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
49 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock