تحليل إقتصادي

الهجرة والفوائد الاقتصادية

إيان جولدن؛ جيفري كاميرون*

أكسفورد – في كل دولة غنية تقريباً بلغت الحماسة في معاداة المهاجرين ذروتها. ولكن هذا العداء في واقع الأمر داء لا بد من مقاومته، إذا كان لهذه المجتمعات أن تواصل ازدهارها، وإذا كان للدول النامية أن تحرز أي نجاح في حربها ضد الفقر ومن أجل دعم النمو الاقتصادي.
والواقع أن ارتفاع معدلات الهجرة أمر مرغوب فيه لأربعة أسباب: فالهجرة مصدر للإبداع والديناميكية؛ وهي تعالج مشكلة نقص العمالة؛ وتتصدى للتحديات التي تفرضها الشيخوخة السكانية؛ وتوفر الفرصة للإفلات من براثن الفقر والاضطهاد. وعلى النقيض من ذلك، فإن الحد من الهجرة من شأنه أن يعمل على إبطاء النمو الاقتصادي وتقويض القدرة التنافسية للمجتمعات في الأمد البعيد. كما يعمل الحد من الهجرة على تشكيل عالم أقل ازدهاراً وأكثر تفاوتاً وانقساما.
بطبيعة الحال، هناك تكاليف محلية في الأمد القريب تترتب على ارتفاع معدلات الهجرة، ولا بد من التعامل مع هذه التكاليف إذا كان للمجتمعات أن تتمتع بالفوائد الأعظم في الأمد البعيد. ولكن على الرغم من المعارضة المحلية في البلدان المستقبلة للهجرات، فإن عدد المهاجرين الدوليين تضاعف على مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، ومن المنتظر أن يتضاعف مرة أخرى بحلول العام 2030. إن التغيير الاقتصادي والسياسي السريع ـ والتغيرات البيئية على نحو متزايد ـ يعمل على إزاحة الناس وتشجيعهم على السعي إلى الفرص والأمن في ديار جديدة.
وعلى خلفية العولمة المتسارعة، فإن المخاطر الفردية والتكاليف المترتبة على التنقل دولياً سوف تستمر في التضاؤل. والواقع أن اجتماع عوامل مثل الزيادة المقدرة في تعداد سكان العالم بنحو 2 بليون نسمة، وانخفاض تكاليف الانتقال، وتحسن القدرة على التواصل، ونمو الشبكات الاجتماعية والاقتصادية العابرة للحدود الوطنية، من شأنه أن يؤدي على زيادة الحركة بين التجمعات البشرية. وإذا سُمِح لهذه العملية بأن تخذ مجراها، فإنها ستعمل على تحفيز النمو العالمي والحد من الفقر.
ولكن على الرغم من ذلك، وفي حين كان الانخفاض التدريجي للحواجز التي تمنع تدفقات رأس المال والسلع والخدمات عبر الحدود بمثابة إنجاز كبير في العقود الأخيرة، فإن الهجرة الدولية لم تكن في أي وقت مضى أكثر خضوعاً للقيود الصارمة من وقتنا هذا. كان أهل الاقتصاد الكلاسيكيون، مثل جون ستيوارت مِل، يرون أن مثل هذه القيود الصارمة غير منطقية على الصعيد الاقتصادي وغير مقبولة على المستوى الأخلاقي. ولقد اعترض آدم سميث على أي شيء من شأنه أن يعرقل “حرية انتقال العمالة من عمل إلى آخر”.
وبحلول القرن التاسع عشر، كان اختراع المحرك البخاري وغير ذلك من وسائل النقل من الأسباب التي يسرت هجرة ثلث سكان الدول الاسكندنافية وأيرلندا وأجزاء من إيطاليا. وكانت الهجرة الجماعية بالنسبة للملايين من الأوروبيين بمثابة طريق للهروب من الفقر والاضطهاد، كما غذت دينامية وتطور مجتمعات مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والعديد من المستعمرات.
وكان صعود النزعة القومية قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى سبباً في انتشار استخدام جوازات السفر على نطاق واسع ونذيراً بضوابط أكثر صرامة على التحركات الدولية للبشر. وبعد مرور مائة عام، وعلى الرغم من سقوط الحواجز أمام التجارة والتمويل والمعلومات، فإن الجدران التي تمنع التنقل الحر أصبحت أعلى بنيانا.
إن ما يقرب من 200 مليون نسمة، نحو 3% من تعداد سكان العالم، يعيشون الآن في بلدان لم يولدوا على أرضها. وهؤلاء هم أيتام النظام الدولي. في كتابنا “أناس غير عاديين”، نبين أن هذه الفئة من الناس تجلب في نهاية المطاف منافع عظيمة على مجتمعاتها المضيفة. فإلى جانب توفير المصدر المطلوب بشدة للعمالة الماهرة وغير الماهرة، يساهم هؤلاء الناس على نحو غير متناسب في الإبداع وخلق الثروة.
على سبيل المثال، يساهم المهاجرون إلى الولايات المتحدة بأكثر من نصف براءات الاختراع والمشاريع البادئة في وادي السليكون. كما يساهمون في الضرائب بما يتجاوز ما يحصلون عليه من خدمات الرعاية الاجتماعية أو غير ذلك من الاستحقاقات.
وبفضل تقدم الرعاية الطبية والصحة العامة، ارتفع متوسط العمر المتوقع في البلدان المتقدمة، في حين تعني مستويات الخصوبة المستمرة الانخفاض، ونهاية طفرة المواليد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أن عدد العمال المولودين على أرض البلاد سوف يهبط بشكل ملحوظ في الأعوام المقبلة. وفي ظل الشيخوخة السكانية وانهيار معدلات الخصوبة في هذه البلدان فإن المزيد من الهجرة سوف يكون ضروريا لضمان القدرة التنافسية الاقتصادية وتمويل معاشات التقاعد وأنظمة الرعاية الصحية.
وسوف تتفاقم التأثيرات المترتبة على تقلص القوة العاملة فضلاً عن ذلك بسبب ارتفاع معدلات التحصيل التعليمي في البلدان المتقدمة، وهو ما من شأنه أن يقلل من أعداد المهتمين بالعمل في وظائف خدمية لا تتطلب مهارة كبيرة أو بالعمل في الحرف المختلفة ومجال التشييد والبناء. ومن المتوقع أثناء الفترة من العام 2005 إلى العام 2025 أن تشهد بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية زيادة مقدارها 35% في نسبة العاملين الحاصلين على تعليم عال. ومع ارتفاع مستويات التعليم ترتفع التوقعات فيما يتصل بالعمل.
أما بالنسبة للبلدان التي يرحل عنها المهاجرون فإن هذا يشكل استنزافاً للعقول. ورغم ذلك فإن هؤلاء المهاجرين يساهمون بشكل كبير في بلدانهم الأصلية. وتعد حالة تايوان وإسرائيل بمثابة شهادة للدور الذي لعبه المهاجرون في الخارج، حيث يلعب المغتربون دوراً بالغ الأهمية من حيث الدعم السياسي، وتدفقات الاستثمار، ونقل التكنولوجيا.
ومن الثابت تاريخياً فضلاً عن ذلك أن الهجرة كانت الوسيلة الأكثر فعالية في محاربة الفقر. ففي العام 2010 تجاوزت التحويلات المالية المرسلة إلى البلدان الأصلية للمهاجرين 440 بليون دولار، حيث يذهب أكثر من ثلثي هذه التدفقات إلى بلدان نامية. وفي عدد من البلدان النامية الصغيرة، تساهم التحويلات المالية من المغتربين في الخارج بما يتجاوز ثلث الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان، وفي عدد من البلدان الأكبر حجماً تتجاوز الإيصالات السنوية لهذه التحويلات خمسين بليون دولار. وفي أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، يعتمد أكثر من خمسين مليون شخص على التحويلات المالية من الخارج، والأرقام أكبر من ذلك في أفريقيا وآسيا.
إن البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء سوف تستفيد من زيادة معدلات الهجرة، وسوف تكون البلدان النامية الأكثر استفادة. وطبقاً لبعض التقديرات فإن زيادة الهجرة بنسبة 3% فقط من قوة العمل في البلدان النامية بين العام 2005 والعام 2025 من شأنها أن تولد مكاسب عالمية تبلغ 356 بليون دولار، وأكثر من ثلثي هذا الرقم سوف يذهب إلى بلدان نامية. إن فتح الحدود بالكامل من شأنه أن تعود على الاقتصاد العالمي بمكاسب قد تصل إلى 39 تريليون دولار على مدى خمسة وعشرين عاما.
كانت المناقشات كثيرة حول الحاجة إلى إتمام جولة الدوحة من مفاوضات التجارة العالمية وزيادة مساعدات التنمية للبلدان الفقيرة. وعلى الرغم من أهمية هذه التحركات فإن وضع قضية إصلاح الهجرة على الأجندة لا يقل أهمية ـ أي زيادة صغيرة في الهجرة من شأنها أن تعود بفوائد أعظم كثيراً على الاقتصاد العالمي والبلدان النامية مقارنة بالفوائد المجمعة للمساعدات وإصلاح التجارة.
اليوم، تسوق الدول القوية الحجج ضد إصلاح الهجرة وإنشاء منظمة عالمية تقوم على قواعد ثابتة لتنظيم الهجرة. ولكن زيادة الهجرة أمر يصب في مصلحة الجميع، ومن المؤكد أن المناقشة العامة لمسألة الهجرة أكثر أهمية من أن نتركها للساسة. ولا بد وأن يتبع التفكير العميق اتخاذ خطوات جريئة.

*إيان جولدن مدير كلية مارتن بجامعة أكسفورد.
وجيفري كاميرون باحث مساعد
خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock