أفكار ومواقف

الهدوء: قوة الانطوائيين

“الفردانية كانت ضريبة عصر الصناعة، لكنها فضيلة عصر المعلوماتية”،تصعد بقوة الاتجاهات الفكرية والفلسفية التي تمجد “الوحدة” ويتحول الاتجاه إلى العزلة أو الوحدة إلى تيار اجتماعي قوي، يعتبر أن الوحدة أو الاجتماعية (الانتماء إلى المجموعة) أو “الانقباض والانبساط” مسألة متعلقة بطبيعة الإنسان كل إنسان على حدة، نصف أو ثلث الناس على الأقل يولدون وهم يفضلون على نحو فطري أو جينيّ أن يكونوا وحيدين في العمل وأسلوب الحياة، كما في التفكير والاختيارات، بل وتضايقهم كثيرا المحادثة مع الناس من غير سبب أو ضرورة أو لأغراض التسلية والترفيه. فالناس تتسلى بالمحادثة، والعالم لا يكف عن الحديث كما تقول سوزان كين مؤلفة كتاب “الهدوء: قوة الانطوائيين”
لقد تعودنا على الاستماع والتعلم على نحو إغراقي في ذم الانطوائية والهدوء والعزلة والفردية باعتبارها نقيصة يجب التخلص منها، وتؤكد المدارس والجامعات ومؤسسات العمل دائما على الجماعية والعمل الجماعي والانتماء إلى المجموعة وربط المشاركة والإنتاج بالقدرة على الاندماج والمشاركة الاجتماعية، وبالطبع فإنها قيم ضرورية ومهمة، لكن في عصر المعلوماتية أو تكنولوجيا المعنى يعاد النظر في فهم الانتماء والعمل الجماعي والمشاركة، إذ ليس شرطا لتحقيق هذه القيم والأفكار أن يتحلى المرء بمهارات اجتماعية جماعية.
اليوم يتحول العالم إلى شبكة يقف فيها على قدم المساواة جميع المشاركين في الشبكة، سواء كانوا أفرادا او مؤسسات اغنياء او فقراء، ومن أي بلد كانوا وبأي لغة يتحدثون؛ يصعد الفرد قوة عظمى مؤثرة، وتصعد أيضا أفكار وفلسفات تخاطب الأفراد بما هم أفراد؛ تقول سوزان كين كن كما أنت انطوائيا، ولا تنشغل بتغيير نفسك، ولا تحتاج أن تكون كما يراد لك أو يتوقع منك، إذ ليس الانبساط متعة بالضرورة، بل إن البعض يراه مصدرا للطاقة السلبية والشعور بالتعاسة، فإذا كنت تجد نفسك أفضل وأنت وحيد، وإذا كنت تعمل وتنجز أفضل وأنت وحيد فكن وحيدا، واستمتع بعزلتك، وكن وفيا لطبيعتك الخاصة. ولا تقلق بشأن التواصل مع الآخرين وبناء علاقات اجتماعية وصداقات أنت لا تحبها او لا تسعدك.
تقول كين إن سر الحياة هو أن تضع نفسك تحت الإضاءة المناسبة، فالبعض تسعده النجومية وأضواء المسرح والسينما ومحبة الجمهور، والبعض يسعده مصباح المكتب، حتى في المنازل يفضل كثير من الناس الأضواء الجانبية الهادئة، ويشعرون بالضيق من الأضواء القوية أو المنبعثة من السقف. ولذلك اعمل ما تحب وما يسعدك، ولا تشغل نفسك بالآخرين إذا لم تكن تسئ إليهم أو تخالف القوانين والقيم.
ليس الانطواء هو الخجل، فهما أمران مختلفان، فالانطواء هو تفضيل بيئات عمل وحياة معينة، لكن الخجل هو الخوف من الرفض الاجتماعي والنبذ، الانطواء ممتع ومفيد لكن الخجل مؤلم، وإذا كان طفلك انطوائيا، فلا تجبره على المشاركة والانبساط، وفكر فيما يمكن أن يتفوق فيه أو يحبه كالقراءة والرسم أو تخصصات وهوايات واتجاهات معينة يبدي ميلا لها أو تتفق مع طبيعته، وفي الصداقة أيضا فإن اتجاهات الناس مرتبطة بطبيعتهم، وقد لا يحتاج المرء أكثر من صديق وقد يكون صديق نفسه.
وفي العمل أيضا يستطيع الانطوائي أن ينجز عمله بكفاءة ولا يحتاج كما هو شائع أن يكون “انبساطيا” ويقدر أيضا على أن يكون إيجابيا وأن يبث الإيجابية في عمله من غير حاجة لمعايير تبدو له غير جوهرية، إذ لا يحتاج تقسيم العمل وتكامله سوى قيم التعاون والتنظيم المختلفة تماما عن النشاط الاجتماعي. هذا الخلط بين التعاون والمشاركة الاجتماعية؛ الإيجابية والتسلية؛ يضر بالعمل والقيم أيضا. فالانطوائي قادر على التحدث وعرض وجهة نظره والمشاركة في الأفكار والحوار والجدل وتبادل المعرفة والمهارات، .. وعلى المزاح وإطلاق النكات، والحال أن أحدا لا يكون سيئا لأنه انطوائي أو انبساطي، فالأمر ليس أخلاقيا، لكنه يشبه أن يكون أحد طويلا أو قصيرا أو ما تكون عليه لون بشرته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock