آخر الأخبار حياتناحياتنا

الهلالي يتحدى الإعاقة ويخط كتاباته الأدبية بعزيمة وأمل

رشا كناكرية

بابتسامة تعلو الوجه وعينين مليئتين بالفخر، عبر الكاتب عز الدين الهلالي، عن سعادته بإصدار كتابه الثاني بعنوان “مذكرات سقيم”، وهو عبارة عن مزيج بين أفكار وأحداث وذكريات بصيغة سردية واقعية، يلخص فيه جانبا من شخصيته وحياته، لينقل بها ذكرياته مع المرض.

الهلالي كاتب يبلغ من العمر 27 عاما، بدأ رحلته في عالم الكتابة بإصرار وثقة كبيرين، بالرغم من معاناته من إعاقة حركية في اليدين وأخرى في النطق، إلا أنه أصر على الإبداع والتميز بعزيمة وأمل غير منقطعين تشبث بهما ليحجز لنفسه مكانا بين الكتاب العرب.

“النقر بإصبع واحد في اليد” هو وسيلة الهلالي لكتابة كل ما يجول بخاطره على جهاز الحاسوب والأجهزة اللوحية والهاتف النقال، كونه لا يستطيع الكتابة بشكل يدوي بيده.

منذ الصغر برزت موهبة الكتابة لدى الهلالي، وإن كانت بتأليف أغان طفولية، ولكنها نمت الشغف لديه أكثر، ليكون الاعتناق الحقيقي للكتابة خلال مرحلة الثانوية سنة 2013، “بدأت عندما شعرت بأن خيالي خصب صاخب وفائض بالأحداث التي لا بد من وجود وسيلة لإخراجها”، بحسب الهلالي.

وأضاف، أن السبب في الاتجاه للكتابة يعود لكونه منطويا على نفسه، فقد كان كثير الصمت والتأمل في ذلك الوقت، وهذا أسهم في نسج مخيلة مليئة بالحبكات، مما استفز شغف الكاتب داخله.

ويكمل “إنها هبة الله ونعمة علي توظيفها في سبيله”، ومن هنا كتب أولى محاولاته التي كانت بقصة قصيرة حملت عنوان “تعيس الحظ”، وبرأيه لم تكن بتلك القوة، لكنه شعر بإنجاز حقيقي حال انتهائها منها.

ونظرا لكونه شغوفا في مجال الأفلام أراد الدخول في مجال السيناريو، وعليه قام بعرض إحدى القصص التي كتبها وعرضها على مخرج أردني وقد لاقت استحسانه، ما دفعه لتعلم كتابة السيناريو بالطريقة الصحيحة، وقد كانت إضافة له، لكنه لم يجد نفسه فيها ليتوجه من بعدها للكتابة الإبداعية الأدبية؛ حيث وجدها موطنًا، وبذلك بدأ مشواره في الكتابة واتخذها غايته لتخليد ذكره، وصنع بصمته لتكون لسانه وسلاحه وهويته.

ويقول “رحلة الكتابة وعرة الطريق، مليئة بالتحديات والمعيقات التي قد تثبط من عزيمة هواة الكتابة، لكن على الصعيد الشخصي أهم الصعوبات ككاتب، هي إثبات وجودي في الساحة الأدبية والوصول إلى قلب القارئ، ووضع نفسي على خريطة القراء، كذلك الجانب المادي شكل عثرة وتحديا، لأن تكلفة طباعة الكتب ليست بالقليلة، وسط وجود شح الطلب على الكتب في هذا الوقت، الكتابة ليست كما يعتقد البعض أنها محض رصف كلمات في سطور، هي تمامًا كالبناء تحتاج إلى صبر وتخطيط وإلى تأسيس وملاءمة مالية لإتمام البناء على أكمل وجه”.

هذا وقد لحقت الإعاقة بالهلالي مؤخرًا ولم تولد معه، ففي عمر 12 عاما، أصيب بمرض في الأعصاب، مما أثر على النطق والحركة لديه، ولا ينكر أنه في البداية أنكر نفسه؛ حيث تحول إلى صورة، فلم يتخيل يومًا أن يكون عليها، وتشوه صوته الذي لطالما تفاخر به، لكن عندما أدرك أن هذه معركته وعليه أن يؤديها بحنكة وذكاء تغيرت وتبدلت نظرته لنفسه، مؤمنا “أن التاريخ يخلد القادة المنتصرين لا الجنود المتخاذلين”.

هذا وقد برزت مع الوقت حاجته لتغير المفهوم الفلسفي للمعاقين بخلق نظرة جديدة، وأنه حيثما ذكرت الإعاقة اقترنت معها القوة والعزيمة والنجاح، وهذا ما أسقطه على نفسه لأنه أراد لعائلته وللمجتمع ومن ثم العالم عندما ينظرون له بأن يشاهدوا إنجازاته لا إعاقته، وليقولوا ابننا الكاتب، أو الإنسان الناجح، لا المعاق، وفق الهلالي.

ويؤكد أن أصحاب الإعاقة اليوم قادرون على الإنجاز، والتحقيق، والنجاح، بالرغم من وجود الإعاقة، التي لا نستطيع إخفاءها، ويقول “الإعاقة إعاقة مهما جملناها أو غيرنا مسمياتها، هي إعاقة وتعيق، لكن قد تعيق الفرد عن إنجاز مهام يومه بشكل يشبه بقية الناس، لكنها لا تعيق عن النجاح، شتان بينهما، النجاح يحتاج لإقدام لا أقدام، هي أقرب ما تكون صفة، تمامًا كشخص طويل، أو قصير، أو صاحب شعر أملس وآخر مجعد، هل صفاتهم هذه تعيقهم عن النجاح؟”، وهذه فلسفته في الحياة.

ولم يجد الهلالي الاحتضان والتبني الكامل لموهبته من الناحية المعنوية، والمادية، والفكرية، ولكن هذا لا ينكر حقيقة أن هناك جهات ساندته وبفضلها برزت موهبته على الساحة وهم كثر بين جهات رسمية وأفراد، ليتوجه بالشكر لجمعية الدرب للثقافة والفنون التي يعد أحد أعضائها، الذين لهم دور في مساندته، فقد آمنت به وبموهبته وكانت خير سند وعون له وأمدته بالطاقة، إضافة إلى الدعم الأكبر من عائلته المحبة.

هذا وقد شارك الهلالي في مسابقات عديدة، وأهمها مسابقة دار “ق” في مصر، وهي مسابقة للقصة القصيرة لكتاب عدة من جميع الوطن العربي، وقد تفاجأ بأن القصة التي شارك بها احتلت المركز الأول، وتمت تسمية الكتاب الذي ضم المشاركات باسم قصته “قيود وهمية”، وقد كان شعورا جميلا لا يوصف ممزوجا بالفخر والفرح والسرور الذي اجتاحه للشعور بقيمة كلماته وأن لها صدى يسمع، وفق قوله.

إلى جانب مشاركته في مسابقة تجمع كتاب السيناريو في الجزائر، وقد فاز السيناريو الذي كتبه بعنوان “أول يوم في العفة”، وحاليا تم ترشيحه لجائزة زايد للكتاب في الإمارات العربية المتحدة متمنيا الفوز بها.

وأول إنجازات الهلالي كان في سنة 2020؛ حيث صدر كتابه الأول بعنوان “رسائل إلى وريد الروح” في الوقت الذي كان فيه العالم يعيش في إغلاق كبير وكانت الفكرة أن يخرج منه بإنجاز، وقد كان التحدي كبيرا بالنسبة له بسبب الوضع العالمي السائد في وقتها.

وكذلك بسبب الإغلاقات العالمية من المطارات وطرق الشحن، فقد تأخر وصول الكتاب إلى الأردن بعد طباعته بثلاثة أشهر، ورافق هذا التأخر شعور الترقب والانتظار الذي لا يمكن وصفه، حتى حانت لحظة الانفراج ووصل إلى يديه وكانت لحظة لا تنسى.

أما كتاب “رسائل إلى وريد الروح” فينتمي إلى أدب الرسائل، وقد كتبه على مدار عامين، وهو متوفر في تسع دول، وقد شارك الهلالي في معارض دولية عدة، إضافة إلى مشاركته في كتب جماعية، والحصول على تكريمات محلية ودولية.

وفي حديثه عن “رسائل إلى وريد الروح” و”مذكرات سقيم”، يقول “هم أبنائي.. كم جميل أن ترى ما كان في داخلك وكيانك بات ملموسًا، لا شيء يصف مقدار الفرحة التي تقع على قلبي، مثل الأب الذي يحمل ابنه الوليد لأول مرة”، والكتابان تمت طابعتهما في مصر من قبل دار ببلومانيا للنشر والتوزيع.

وعن الأسلوب الأقرب لقلبه في الكتابة، يميل الهلالي لفن السرد الذي يتخذ شكل الرواية أو الرسائل الى جانب حبه لكتابة الشعر.

وتتعدد الخطط المستقبلية للهلالي، ففي المجال الثقافي والأكاديمي، يرغب في أن يتخذ مسلك الرواية ويكون روائيا صاحب حضور على الساحة الروائية وتترجم أعماله الى لغات عدة، وأن يصل إلى مرحلة يوظف بها الكتابة لتكون مصدر دخل، وفق قوله.

كما يطمح الهلالي لاستكمال دراسته الأكاديمية والحصول على شهادات عليا، فهو حامل لدرجة بكالوريوس نظم المعلومات الإدارية من جامعة البلقاء التطبيقية. ويختم الهلالي حديثه بأن الطموح كبير والإيمان أكبر، فما يزال في خطواته الأولى لصعود سلم النجاح، فهو مؤمن بأن سعيه سيرى النور وأن إصراره وعزيمته سيمكنانه من أخذ مكان مهم ومميز بين نخبة من الكتاب العرب.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock