;
أفكار ومواقف

الهلوع الجزوع المنوع

يبدو أن الله سبحانه وتعالى زرع في فطرتنا كبشر غريزة الخوف والقلق والطبع الملول من بقاء الحال على حاله. ولكن هذه الفطرة التي يجب أن تحفّزنا على التنافس على موارد الأرض، ومراكزها، وغنائمها، وثرواتها، تنقلب إلى طبائع شرسة ضجرة ملولة إن لم تهذّب بالخلق والاستقامة والايمان بالله.
يُختبر الإنسان في حالات العسرة. فإذا كان مؤمنا فإنه لن يكون خائفا رعاشا حانقا على الدنيا ومن فيها، بل يسعى ليكيف نفسه مع الأوضاع التي فُرضت عليه بدون قدرة منه على تجاوزها في الأمد القصير. أما إذا كان حانقا، وسقط عنه قناع المدنية المستعار، تكشّف وجهه الآخر، وبان معدنه غير الثمين عن نقمة وحسد وغيره، سعى لامتلاك ما لا يستحق، واعطى لنفسه حق استلاب ما لدى الآخرين.
والمجتمع المدني هو الذي يضع القوانين والقواعد والضوابط برضى الغالبية، وينفذها بإحكام ودقة، ويراعي في ذلك القاعدة بألا أحد فوق القانون أو تحته، بل الكل سواء. وإذا حصل ما يعكر أيا من هذه الشروط، حلت الفوضى والتفسيرات الشخصية، وطغت الطبيعة الغريزية غير المهذبة على سلوك البشر، وحل – كما يقول العلماء- قانون الغاب مكان القانون المدني والقواعد الخلقية والضوابط الإيمانية.
وبعودة الإنسان إلى فطرته فهو بصفة عامة هلوع يحب المال إن توفر ويتمسك به ويضن به على الآخرين. أما إذا مسّه الفقر أو ابتُلي بنقص في الأموال تراه جزعا خائفا وجريئا على الباطل.
مرّ الأردن منذ عدة سنوات بحالة من التباطؤ الاقتصادي التي تلت ست سنوات من الانتعاش خلال الفترة (2003-2008)، وتتالت أحداث متواصلة زادت عدد الأفواه على قصعة طعام لم تكبر بنفس زيادة الآكلين، وقلّت الموارد وضاقت الأماكن وازدحمت الطرقات، فأعطي الجزعون الهلعون مناسبة لإطلاق سراح شكواهم وضجرهم.
ونظرنا حولنا لنرى من المعين لنا وسط هذا الكرب. فرأينا كل جيراننا غارقين في أحزانهم، لاهين في تحدياتهم، مستغرقين في الأمور، وتنافسنا في نفس الوقت شعوب كثيرة على ما لدى الغني منهم من فوائض. فزاد خوفنا، والخوف عدو للاستقرار والأمن، فصرنا نعبّر عن ذلك بسلوكيات ومفردات حانقة غاضبة.
وتوفرت لنا وسائل التواصل الاجتماعي ننفث من خلالها أفكارنا وغضبنا، ونعلن عن مواقفنا، ونجرح من يخالفنا، ونشتم على من بيده مقاليد أمورنا، بينما نحن لا نفعل إلا القليل لكي نساعده على النجاح.
قلنا ان رئيس وزراء سابقا قد وعدنا أننا في منتصف العام (2019) سنخرج من عنق الزجاجة، فماذا فعلنا؟ كذبناه، وسخرنا منه وعاتبناه وقلّلنا من قدره. وبحلول منتصف 2019 تذكرنا ما قاله قبل حوالي سنة ونصف، فلم نعتقه بل حملنا عليه حملة شعواء.
وأتساءل: إذا كان المسؤول يعد بالخروج من عنق الزجاجة ونحن نرد عليه بالتهكم والسخرية، ألم نساعد نحن بذلك على إبقائنا في ذلك العنق؟ أو لم نضع نحن ذلك المسؤول داخل قفص زجاجي وكتبنا عليه كلمة “فاشل”، وصرنا نسحج حوله، وإن تحرك قلنا إنه يرقص، فنزداد سخرية منه.
هذه الحلقة الفظيعة من الاتهام والاتهام المقابل، والصياح والتعبير البائس اليائس، هل ستخرجنا مما نحن فيه؟ الجواب لا. إن قدرة الشعب والناس على التغيير أقوى من قدرة أي مسؤول على ذلك مهما علت همته، وعظمت قدرته. ونحن نمضي غالبية الأيام نسخر وننتقد ونضحك ونلوم، ثم نقول “ما لهذا المسؤول يقف مشلولا حائرا”؟.
لقد أمضينا سنوات ونحن نضحك ونلعب لعبة الملاومة في حقل مليء بالألغام والتحديات. أعتقد أن كل النكات صارت ممجوجة سمجة، وأن كل صور الـ “فوتوشوب” قد تجاوزت غرضها، وأن الأوان قد آن لكي يسأل كل واحد فينا نفسه، هل أنا جزء من المشكلة أم جزء من الحل؟ هل الحال الذي أشكو منه كان من صنع الحكومة وحدها والمجتمع أم انني شاركت في ذلك؟ هل أقدر أن اقوم بأكثر مما أقوم به؟
إن فينا أناسا خيّرين كثيرين، وإن المساحة التي تركها الجزعون الهلعون لهم محدودة. هذا بلد الخير، والحل والعقد والرباط، هذا بلد الهمة. فلماذا نقبل من الذين يسعون للتحكم بعقولنا وقلوبنا والفاظنا أن يملوا إراداتهم علينا.
فلنعد إلى الإيمان بالله وبأنفسنا وبقدراتنا، فذلك هو الطريق للخروج مما نحن فيه وليس لنا خيار إلا استعادة الروح.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock