ترجمات

الهند.. نمو متواصل رغم الأزمة المالية العالمية

مارتين وولف – (لوموند) 13/2/2012

 ترجمة: مدني قصري

 

ما دلالة الأزمات المالية والاقتصادية في البلدان ذات الدخل المرتفع بالنسبة للبلدان الصاعدة والنامية؟ إن الأزمة خطيرة، ليس بفعل الآثار المباشرة فقط، بل أيضا بما تحمله من الدروس التي يمكن استخلاصها.
منذ الأزمة المالية التي انفجرت في البلدان ذات الدخل المرتفع، يتسم الأداء الاقتصادي في البلدان النامية المهمة بأنه أداء فاعل وملحوظ. وحتى مع الأخذ بعين الاعتبار ذلك التباطؤ الذي أعلنت عنه دراسة العام 2012 “آفاق الاقتصاد العالمي” الأخيرة الخاصة بصندوق النقد الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي في الهند قد سجل نمواً بنسبة 43 ٪ ما بين العامين 2007 و2012. وهي نسبة نمو أقل قليلا من 56 ٪ التي سجلتها الصين، لكنها نسبة أعلى بكثير من نسبة 2 ٪ التي سجلتها البلدان ذات الدخل المرتفع.
وهي ثورة حقيقية في واقع الأمر. وكان قد قيل لنا في نهاية العام 2008 أن أزمة خطيرة سوف تحدث في البلدان ذات الدخل المرتفع وسوف تؤثر سلبا على الاقتصادات النامية. لكن العمالقة الآسيويين كانوا بمنأى نسبيا عن تلك التوقعات، حيث توفرت الوسائل الكفيلة بتخفيف وطأة هذه الصدمة.
فهل يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى؟ إن أسوأ الصدمات التي يمكن أن نخشاها سوف تنتج على الأرجح عن نشوء تركيبة تجمع بين التهاب أسعار النفط -في أعقاب نشوب نزاع في الخليج، على سبيل المثال- وبين انهيار منطقة اليورو. فقد يؤدي مثل هذا الانهيار إلى شل النظام المالي لمنطقة اليورو بصورة مؤقتة، إن لم يؤد إلى تقويضه، وهو قد ما تترتب عليه صدمات عالمية خطيرة، من خلال التبادلات التجارة وتحويلات رؤوس الأموال.
ويمكن أيضا تحديد المخاطر المحتملة حتى في قلب الاقتصادات الصاعدة الكبرى. فالصين التي تواجه ركودا حادا جديدا في البلدان ذات الدخل المرتفع، ربما تجد نفسها غير قادرة على تعويض هذا الركود برفع مستوى الاستثمارات الممولة بواسطة القروض، كما فعلت منذ ثلاث سنوات. وحسب الاقتصادي “أندي كسي” فقد بلغ الاستثمار في الأصول الثابتة نسبة 65 % من الناتج المحلي الإجمالي. ولذلك، فإنه يكاد يستحيل علينا أن نتصور إمكانية رفع هذا المعدل من دون المخاطرة بفائض كبير من رؤوس الأموال التي لا لزوم لها، والمخاطرة بإحداث أزمة لاحقة في الاستثمار.
وسيكون من شأن حدوث صدمة عالمية جديدة أن يضر أيضا بالاقتصاد الهندي. ففي نشرته “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادرة في شهر كانون الثاني (يناير)، يشير البنك الدولي إلى أن “الظروف الحالية أقل ملاءمة للبلدان النامية مما كانت عليه في العام 2008”. وتعاني الهند من عجز كبير في الموازنة، وعليها أن دفع فوائد مرتفعة حتى تجدد ديونها العامة. ومع وجود عجز في حساباتها الجارية تقدر بما يقرب من 4 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010، فستتأثر البلاد بأي صدمة عالمية كبيرة في حال حدوثها. لكنه في حال كانت مثل هذه السيناريوهات ممكنة، فإنها بعيدة كل البعد عن أن تكون مرجحة.
قد تتبنى منطقة اليورو في نهاية المطاف تدابير ملائمة. وبالمثل، فإنه من الممكن أن تتفادى الدول الانخراط في صراع مع إيران أيضا. وفي الدرجة الثانية، يمكن لبلد واسع وفقير نسبيا مثل الهند (مع ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد يعادل من حيث القوة الشرائية، مقارنة مع القوة الشرائية في الولايات المتحدة ما نسبته 1 إلى 12)، أن يخلق نموا سريعا، باستدراك تأخره أمام البلدان الأكثر غنى، أيا كان المحيط العالمي السائد.
ويعرف المراقبون المستنيرون أكثر ما يكون من الهنود جيدا أن العقبات الرئيسية التي تعترض التنمية الاقتصادية السريعة هي عقبات داخلية وليست خارجية. ويمكننا أن نسجل، في الدرجة الأولى، أخطاء في الحكم، ومن بينها التبديد الذي تسبب فيه الاعتمادات المالية التي توزع على المستويات الحكومية كافة، ومحصلة كارثية في مجال تقديم الخدمات التعليمية والصحية إلى أغلبية السكان، وصرامة قوانين العمل، والبنى التحتية غير الملائمة، والقيود المكلفة المفروضة على الاستعمال الفعال للأراضي.
أما الخطر الأكبر الناجم عن حدوث صدمة عالمية جديدة، فقد ينجم عن تجميد الإصلاحات. وهنا أرى تهديدين اثنين. التهديد الأول، وهو الأقل خطورة، سوف ينتج عن ردود الفعل العالمية على قيام أزمة جديدة محتملة. إلا أنه يُفترض حتى الآن أن لا يتسبب رد الفعل التنظيمي، بأي ضرر للهند، على الأقل في المجال المالي. وإذا ما اعتمد النظام المالي الهندي المعايير العالمية الصاعدة، ولم يتعثر، فإنه سيكون أقوى وأحسن بكثير، لأن اعتماد الحمائية “الخارجية” يمثل تهديدا أكبر وأخطر. ولكن حتى الآن، وحتى وإن كانت المخاطر قائمة بالفعل، فإنه لم يحدث على هذا المستوى أي شيء بالغ الخطورة على أي حال. 
أما التهديد الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق والانشغال، فهو يتمثل في أن يتبنى الهنود، من غير أدنى تمييز، القواعد المتبعة في “أزمة الرأسمالية” السابقة: وكان أحد أسوأ الآثار الناجمة عن الأزمة الاقتصادية الكبرى للعام 1930 هو اعتماد جزء كبير من العالم النامي، غداة الحرب العاملية الثانية، للسياسات المناهضة للتبادل، والمناهضة للسوق. ولا شيء يمكن أن يكون أكثر كارثية من أن نرى مثل هذا الرد مرة أخرى، فيما “الإصلاح والانفتاح”، كما يقول الصينيون، قد شرعا في إفراز نتائج طيبة، حتى في الهند نفسها. والنقطة الجوهرية في الأمر هي أن ما حدث لا يشكل أزمة لاقتصاد السوق، بل أزمة في المفاهيم الخاطئة في هذا الشأن.
إن الأسواق التنافسية، حين يتم دعمها وتنظيمها بشكل صحيح، سوف تظل، بعيدا عن أي مقارنة ممكنة، أفضل سبيل لخلق نمو مستدام في الثروة. وهكذا ينبغي أن يكون وضع الهند تحديدا، حيث يتم تشويه عدد كبير من الأسواق بلا طائل وبصورة مدمرة، بسبب التدخلات الحكومية المعاكسة للإنتاج.
وإذن، أي درس يمكن لبلد مثل الهند أن يستخلصه من هذه الأزمة حتى يضع سياسته الخاصة؟ أوّلا، ولأن النظام المالي قادر على أن يولد حالة هائلة من عدم الاستقرار، فإنه يجب لهذا السبب أن يكون خاضعا دوما لمراقبة صارمة. وفي الدرحة الثانية، يجب أن يجري اندماج الهند في النظام المالي العالمي بحذر كبير. ذلك أن بالإمكان إدارة الأزمات الكبيرة إدارةً مالية واجتماعية في مختلف الدول ذات الدخل المرتفع، أم أن يُفسح المجال أمام انفجار مثل هذه الأزمات في بلد مثل الهند، فسيكون ذلك تصرفاً غير مسؤول بالمرة!
ولكن، ماذا يمكن أن نستنتجه من ذلك؟ أوّلا، إن مصير الهند يقع أساسا بين يديها. وثانيا، إن الإصلاحات التي كانت موضع ترحيب قبل الأزمة، سوف يرحّب بها اليوم أيضا، وبنفس القوة، وربما أكثر.
وبعد ذلك، يتعين على الهند أن تحمي نفسها ضد المخاطر الكبرى المرتبطة بالاقتصاد الكلي، بما فيها المخاطر التي ترتبط بالعجوزات المفرطة في الموازنات، وبالاندماج الذي يفتقر إلى الأسس الصحيحة في عملية التفاوض في النظام المالي العالمي، والتي ترتبط على المدى الطويل بقروض محلية غير خاضعة للمراقبة.
وأخيرا، يجب على الهنود أن يرفضوا الفكرة القائلة بأن الأزمة دليل على أن اقتصادات السوق غير مجدية، وعليهم أن يضعوا نصب أعينهم أن الاقتصادات التي تأثرت بالأزمة هي في الوقت الحالي هي البلدان ذات الدخل المرتفع، ولأسباب وجيهة لا شك فيها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
L’Inde doit maintenir le cap

madani.guesseri@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock